القاضي أبي يوسف يعقوب بن ابراهيم
3
كتاب الخراج
[ الجزء الأول ] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ خطاب من المؤلف إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد ] هذا ما كتب به أبو يوسف رحمه اللّه إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد أطال اللّه بقاء أمير المؤمنين ، وأدام له العز في تمام من النعمة ، ودوام من الكرامة ، وجعل ما أنعم به عليه موصولا بنعيم الآخرة الذي لا ينفد ولا يزول ، ومرافقة النبي صلى اللّه عليه وسلم ان أمير المؤمنين أيّده اللّه تعالى سألني أن أضع له كتابا جامعا يعمل به في جباية الخراج ، والعشور والصدقات والجوالى « 1 » ، وغير ذلك مما يجب عليه النظر فيه والعمل به ، وإنما أراد بذلك رفع الظلم عن رعيته ، والصلاح لأمرهم . وفق اللّه تعالى أمير المؤمنين ، وسدّده وأعانه على ما تولى من ذلك ، وسلمه مما يخاف ويحذر . وطلب أن أبين له ما سألني عنه مما يريد العمل به ، وأفسره وأشرحه . وقد فسرت ذلك وشرحته يا أمير المؤمنين ، ان اللّه وله الحمد قد قلدك أمرا عظيما : ثوابه أعظم الثواب ، وعقابه أشد العقاب . قلدك أمر هذه الأمة فأصبحت وأمسيت وأنت تبنى لخلق كثير قد استرعاكهم اللّه وائتمنك عليهم وابتلاك بهم وولّاك أمرهم ، وليس يلبث البنيان إذا أسس على غير التقوى أن يأتيه اللّه من القواعد فيهدمه على من بناه وأعان عليه . فلا تضيعنّ ما قلدك اللّه من أمر هذه الأمة والرعيّة ، فان القوّة في العمل باذن اللّه لا تؤخر عمل اليوم إلى غد فإنك إذا فعلت ذلك أضعت . ان الاجل دون الامل ، فبادر الاجل بالعمل ، فإنه لا عمل بعد الاجل . ان الرعاة مؤدّون إلى ربهم ما يؤدّي الراعي إلى ربه . فأقم الحق فيما ولّاك اللّه وقلّدك ولو ساعة من نهار ، فان أسعد الرعاة عند اللّه يوم القيامة راع سعدت به رعيته . ولا تزغ فتزيغ رعيتك .
--> ( 1 ) جمع جالية ، وأصلها الجماعة التي تفارق وطنها وتنزل وطنا آخر ، ومنه قيل لأهل الذمة الذين أجلاهم عمر رضى اللّه عنه عن جزيرة العرب « جالية » ثم نقلت هذه اللفظة إلى الجزية التي أخذت منهم ، ثم استعملت في كل جزية تؤخذ وان لم يكن صاحبها جلا عن وطنه .