القاضي أبي يوسف يعقوب بن ابراهيم
4
كتاب الخراج
[ موعظة المؤلف لأمير المؤمنين ] وإياك والامر بالهوى والاخذ بالغضب . وإذا نظرت إلى أمرين أحدهما للآخرة والآخر للدنيا ، فاختر أمر الآخرة على أمر الدنيا ، فان الآخرة تبقى والدنيا تفنى . وكن من خشيه اللّه على حذر ، واجعل الناس عندك في أمر اللّه سواء القريب والبعيد ، ولا تخف في اللّه لومة لائم . واحذر فان الحذر بالقلب وليس باللسان ، واتق اللّه فإنما التقوى بالتوقّى ، ومن يتق اللّه يقه . واعمل لأجل مفضوض ، وسبيل مسلوك ، وطريق مأخوذ ، وعمل محفوظ ، ومنهل مورود . فان ذلك المورد الحق والموقف الأعظم الذي تطير فيه القلوب وتنقطع فيه الحجج لعزة ملك قهرهم جبروته ، والخلق له داخرون بين يديه ينتظرون قضاءه ويخافون عقوبته وكأنّ ذلك قد كان . فكفى بالحسرة والندامة يومئذ في ذلك الموقف العظيم لمن علم ولم يعمل ، يوم تزلّ فيه الاقدام وتتغير فيه الألوان ، ويطول فيه القيام ، ويشتدّ فيه الحساب . يقول اللّه تبارك وتعالى في كتابه : « وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ » وقال تعالى « هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ » وقال تعالى « إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ » وقال تعالى « كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ » ، وقال « كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها » فيا لها من عثرة لا تقال ، ويا لها من ندامة لا تنفع ، انما هو اختلاف الليل والنهار : يبليان كل جديد ، ويقرّبان كل بعيد ، ويأتيان بكل موعود ، ويجزى اللّه كل نفس بما كسبت ان اللّه سريع الحساب . فاللّه اللّه فان البقاء قليل والخطب خطير والدنيا هالكة وهالك من فيها ، والآخرة هي دار القرار . فلا تلق اللّه غدا وأنت سالك سبيل المعتدين فان ديان يوم الدين انما يدين العباد بأعمالهم ولا يدينهم بمنازلهم . وقد حذّرك اللّه فاحذر ، فإنك لم تخلق عبثا ، ولن تترك سدى . وان اللّه سائلك عما أنت فيه وعما عملت به ، فانظر ما الجواب . واعلم أنه لن تزول غدا قدما عبد بين يدي اللّه تبارك وتعالى الا من بعد المسألة فقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن علمه ما عمل فيه ، وعن عمره فيم أفناه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ، وعن جسده فيم أبلاه » فأعدد يا أمير المؤمنين للمسألة جوابها فان ما عملت فأثبتّ فهو