منصور بن أحمد الهروي

31

منية الراضي في رسائل القاضي

من مثل : « جمعت الأماني فكانت نجوما وكان بدرها ، ونظمت اللّذات فكانت عقودا وكان واسطتها ، فجعلته نصب عيني أتسلّى به عند استيلاء الشوق على قلبي ، وأطفئ بتأمله نيران الوجد إذا التهبت في صدري ، وسررت به سرور من وجد ضالّة عمره ، وأدرك جميع أمانيه من دهره ، وأنست بتصفحه أنس الرياض بانهمال القطر ، والساري بطلوع البدر ، والمسافر بتعريسة الفجر ، والعاشق بانقضاء أيام الهجر . . . » « 1 » . وقد تحدث القدماء عمّا يشترط في التشوّق ، فذكروا أن الكاتب مع ما يتوسّل به من المعاني اللطيفة والألفاظ العذبة ينبغي عليه الإيجاز والعدول عن سبل الإطناب والإكثار لئلا يستغرق جزءا كبيرا من الكتاب فيملّ ويضجر ، وينتظم في سلك الملق والتكلّف اللذين لا يعتادهما المتصافون من الأصدقاء « 2 » . وعلى مثل هذه الأساليب يقول وهو يعود صديقا : « اتصل بي خبر علّة علته ، وعارضة اعترته ، فكدت أطير قلقا ، وكاد فؤادي يعود فلقا ، وقابلنى الدهر بوجه أربد ، ولبست على الدنيا نقابا أسود ، وتقلقلت أحشائى واضطربت ، وضاقت علىّ الأرض بما رحبت . . . » « 3 » . ويقول في وصف الألفاظ مبالغا : « ألفاظ لو مدح بها القرد لحسن ، ولو ضمّت إلى القلب الخالق لسكن ، ولو وردت البحر الأجاج لأصبح عذبا فراتا ، أو عرضت على الميّت البالي لاستفاد حياة ، ولو أنها من الجواهر لكانت عقيانا ، أو من النبات لكانت ريحانا ، ولو كانت زمانا لكان ربيعا ، أو من السائلات لكانت دموعا ، ولو أمست نجوما لما خمد ضياؤها ، أو عيونا لما غار ماؤها . . . » « 4 » . والمرجح أن مثل هذا النثر ، لما يحمل من إغراق يخالف المعقول ، وإخلال فيما لا ينبغي فيه الإخلال ، لم يحظ بعناية مصنفى الرسائل ، فخمل وقل غناؤه . ولكن الهروي - على أية حال - يبدو في كتاباته هادئ النفس يسترسل على سجيته ، فتنبسط أمامه الدنيا ولا يترك وسيلة يظهر بها عواطفه إلا التمسها ، ومن المحقق أن بعض عباراته لا تخلو من حرارة الصدق ، والبعد عن غلواء التكلف ، لعل منها قوله يصف ألم الفراق : « قد بليت بفراق من أودع قلبي فنون الحرق ، وعرّف بين عيني والأرق ، وعلّمنى كيف تصير حبرة

--> ( 1 ) انظر ما يلي : ص 95 - 96 . ( 2 ) صبح الأعشى 99 / 142 . ( 3 ) انظر ما يلي : ص 117 . ( 4 ) انظر : ما يلي : ص 147 .