منصور بن أحمد الهروي
30
منية الراضي في رسائل القاضي
طلع النجم ، وروى العود ، وجرى الماء ، وقرب العز ، وظهر الثمر ، وأسفر القمر ، بل كأن الوزير بوزارته أسد أنس به عرينه ، أو روح أهديت إلى جسدها ، أو نور شمس محا ظلام ليل . . . وعلى هذا النمط من التعبير تجرى « منية الراضي . . . » ، لا تغادره إلا في القليل النادر ، يقول الهروي أيضا في تهنئة أحد القضاة بولايته : « ولا بدع ، فإنه من لا ينظم المجد إلا بخلاله ، ولا يعرف الكرم إلا من أفعاله ، ولا توجد المحامد إلا في شرائعه ، ولا تنشق المعالي إلا من طبائعه ، ولا تحلى صدور الأيام إلا بفضله ، ولا تتفرع أفنان الشرف إلا من أصله ، ولهذا ألقى ( السلطان ) أزمة المظالم إلى حكمه » « 1 » ومثل هذه الصور والتعبيرات فيها من المبالغات والشطحات ما فيها ، فقد جردت من القاضي شخصا لا ندّ له ، يبذ الجميع مجدا وكرما وفضلا وشرفا ، فلا محامد إلا لديه ولا معالى إلا منه . وواضح ما في كلامه من غلو وإفراط ، وخروج عن حد الاعتدال ، مع أن الإغراق في الشكر معيب يحمل على التملق الذي لا يليق ، وإنما يحسن الاختصار والإتيان بالألفاظ الوجيزة الجامعة للمعاني ، « وذو الطبع السليم ، والفكر المستقيم يكتفى بيسير التمثيل » « 2 » ، وقد وقع الهروي فيما عابه القدماء وحذروا منه ، فتمادى في المبالغة ، ووصل بها إلى المدى ، حتى يحار قارئها في تعليلها : هل كانت رياء ومداهنة ؟ أم طريقة تعبير فحسب ، جرى فيها كاتبها على ما يستسيغه أهل عصره ، أو ما يجرى عليه الخيال إذا ما أبعد ؟ ومن المبالغات غير المقبولة أن يشفع لمشفوع له ، فيصفه بقوله : « وتصل هذه الأحرف من جهة « فلان » وهو من إذا شاهده الشيخ شهد أن الفضل له بقيّة ، وأن الأدب رتبته بعد عليّة ، وصادف منه أديبا يبذّ الأدباء ، وشاعرا يسبق الشعراء ، وفاضلا يصغر اختباره أخباره ، وترفع نفسه مقداره ، ورأى من حسن أخلاقه ما يدلّ على طيب أعراقه ، هذا وهو من الشرف بالقلّة الشمّاء ، والذروة العلياء ، فإنه من أفق الرسالة طلع ، ومن نبعة النبوّة نبع ، ومن دوحة الإمامة تفرّع ، وقد أصحبته هذه الأحرف دالا على حاله ، ومستدعيا له الحظّ الأوفر من رأى الشيخ وإفضاله ، وإذا تطوّل به جرى على سنّة طالما سارها ، وطريقة من المجد قديما رفع منارها » « 3 » . وتضج فصول الشوق والحنين من ثقل الإغراق ، فلا تعبر إلا عن عواطف يمرضها التهويل ،
--> ( 1 ) انظر ما يلي : ص 61 . ( 2 ) صبح الأعشى 9 / 183 . ( 3 ) انظر ما يلي : ص 81 وانظر أيضا : ما أورده صبح الأعشى 9 / 124 - 125 من شروط الشفاعات البليغة .