منصور بن أحمد الهروي
22
منية الراضي في رسائل القاضي
السادات وبحر العلماء وتاج الأشراف العلوية « 1 » . وقد افتتح مداعبته بقوله : « كتابي ، أطال اللّه بقاء السيد فالسيد ، ثم الأجلّ فالأجل ، والأعظم فالأعظم ، والأكرم ، فالأكرم ، والأنفس فالأنفس ، والأشرف فالأشرف ، وهلمّ جرا ، ما وجد الخالع للحبل مجرّا ، من الثناء والدعاء ، والتقريظ والإطراء ، وجميع ما يخرج من هذا الوعاء » . وتظهر روح المداعبة في هذه البداية التي فخّم بها صديقه ، وأنزله من المنازل ما يليق به ، فسرد لذلك بعض ما اصطلح عليه عصره من ألفاظ التكريم ، المتدرجة المراتب ، مما يراعيها الكتاب عند مخاطبة كل طبقة من طبقات الكبراء ، ثم وصف الهروي نفسه بأنه الخالع للحبل ، وكأنه بذلك يمهد للاعتذار متلطفا ، وكان شرف السادة قد أرسل له مبتدئا ، يظهر تشوّقه ويستبطئه ، يقول : « قد كنت والدار شاسعة والعوائق متناسقة متتابعة . . . ، أتوقّع مع ذلك وصاله ، وأترصّد خياله ، والشوق يلتهب ضرامه والصبر هيهات مرامه . . . » « 2 » . وخشي أن يثقل ويضجر ، فاعتذر عن ذلك بأن الإفصاح عن المودة سنّة يعتادها الأحبّاء ، إذا ما بعدت الشّقة وجمعتهم أواصر الأدب ، فقال : « ولولا الأخذ بالسنّة في مطاولة الحبيب للحبيب ، وفرحة الأديب بالأديب ، وأنس الغريب بالغريب ، واهتزاز المريض للطبيب ، لأجللت مجلسه - آنسه اللّه - عن التثقيل والتطويل ، والإبرام بمدّ الكلام ، لكني راجعت فهمي ووهمى ، واستعرضت نثرى ونظمى ، وشاورت نفسي ، وأجلت فكرى وحدسى ، في آن آتى بكلام بديع بعيد ونظام ما يشك أنه نظام فريد » . وأشاد بعد ذلك ببلاغة شرف السادة ، وأمعن في إعلان قصوره عن مجاراته ، لأنه ، لو فعل ، فكأنما يروج زيفا على ناقد أو يهدى طيفا إلى راقد أو يتعرّض للمس نجوم عالية أو يسبح في بحر تتلاطم أمواجه . وبدأ بعد مقدمات طويلة جزء ثان من الرسالة ، في أوله ما يدلّ على وصول كتاب شرف السادة : « وصل كتاب السيّد ، الجليل السيد ، وما أعدت السيد تكريرا ، لكن تقريرا . . . » . ومضى يفاكه ويمزح ، ويثنى على فضل صديقه وبرّه وجمال رأيه ، ويأمل في اغتفار ما اقترفه من زلات « 3 » .
--> ( 1 ) دمية القصر 2 / 177 . ( 2 ) نفسه 2 / 156 - 157 . ( 3 ) انظر ما يلي : ص 127 - 130 .