منصور بن أحمد الهروي

23

منية الراضي في رسائل القاضي

ومن رسائل المداعبة ما كتبه إلى أبى بكر القهستانى كاتب السلطان محمود الغزنوي ، وكان شاعرا مزّاحا كثير اللهو ، وقد بدأ رسالته - وهي جواب - مشيرا إلى بعض ما تضمنته رسالة القهستانى - وهي ابتداء - إليه : « كتابي - أطال اللّه بقاء الشيخ - بلا هندسة ولا هندمة ، ولا تنجيم ولا فلسفة ، وقد وصل كتابه المقصور على علّة الغلظة والدقّة ، وصفة الكثافة والرقّة ، وحديث السعة والضيق ، وما يجرى في هذا الطريق ، وأنا يا مولاي كما علمت في كتاب إقليدس وحلّ أشكاله ، ورفع إشكاله ، ووسم أغفاله ، وفتح أقفاله ، خفيف البضاعة ، قليل البراعة ، قصير اليراعة ، ضيق الباع ، قفر الرباع ، أدلّ بذهن كليل ، وفهم عليل ، وزند كأب ، وحدّ ناب ، وطمع آب ، يدخل عليه العجز من كلّ باب » . وواضح ما في ذلك من دعابات ورّاها بألفاظ بعض العلوم الهندسية والفلكية ، وأشار فيها إلى كتاب إقليدس وما تضمنه من أشكال وإشكالات . وألمح إلى لهو صديقه ومجونه ، بمثل قوله : « أو ما استحييت أن تذكّرنى عهدا مضت أيامه ، وانقضت أجوره وآثامه ، ونسي حلاله وحرامه ، ودرست رسومه وأعلامه ، فذكرت دقّة الخصور والشفاه ، وضيق العيون تحت سعة الجباه ، واعتناق الأحباب ، وما يليه من الأسباب ، وما يسمّى أو لا يسمّى مما يظهر وإن كان يعمّى . . . » . وأكثر من التلميحات والإشارات ، فتردّد فيها ذكر : عنقاء مغرب ، وابن آوى ، والنسناس ، وجرى ذكر أبى نواس والنمري الشاعر ، وعرض في مجال مداعباته لأسماء بعض النحويين المشهورين « 1 » . وله رسالة قصيرة داعب فيها صديقا له يسمّى أبا سهل الزوزنى ، وأظهر شوقه ووصف آلام الفراق ، وأطرف ما في هذه الرسالة بيتان من الشعر تضمّنا شطر بيت ذائع لسحيم عبد بني الحسحاس ، وهما : كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا * وثالثه جرّت علىّ الدواهيا فراقك - وهو الخطب - أفقدنى المنى * وسمّج في عيني وقلبي الملاهيا « 2 » وبدأ هزلية رابعة إلى صديق له بقوله : « وصل كتاب الشيخ جدّا صراحا ، لا يعرف هزلا ولا مزاحا ، فالحمد للّه على الوقار المجلوب بالأوقار . . . » .

--> ( 1 ) انظر ما يلي : ص 131 - 135 . ( 2 ) انظر ما يلي ، ص 136 .