صالح أحمد العلي

12

المنسوجات والألبسة العربية في العهود الإسلامية الأولى

توسعت الدولة الإسلامية بسرعة هائلة ، فبعد أن كانت عند وفاة الرسول ( ص ) تشمل كل الجزيرة العربية تقريبا ، امتدت خلال أقل من ربع قرن على وفاته وشملت كل البلاد الواقعة بين نهر جيحون في المشرق وتونس في المغرب ، ثم توسعت في عهد الخلافة الأموية في أواسط آسيا والسند وأرمينية والمغرب والأندلس . وكان يقطن هذه الرقعة الشاسعة شعوب ومجتمعات متعددة ، لها تقاليد ونظم اجتماعية واتجاهات فنية وأذواق متنوعة ، كما كانت فيها قبل الإسلام دول ذات نظم وتقاليد يتصل بعضها بألوان الألبسة السائدة عندهم . ومن الطبيعي أن تلك المجتمعات حدثت فيها تبدلات سياسية ومادية وحضارية بعد الفتح الإسلامي بسبب انقراض ملوكها وانهيار الطبقة الحاكمة التي كانت فيها ، ونشاط الحياة الاقتصادية ، وتزايد مكانة الطبقة المتوسطة من أهل المدن ، وتكاثر عدد المهاجرين الأعاجم إلى الأمصار التي أنشأها العرب ، وما كان لهم من آثار تدريجية في الألبسة والأذواق والألوان زاد أثرها بعد مجيء الدولة العباسية التي وإن ظلت تساند العرب ، إلا أنها أتاحت حرية أوسع للأعاجم وخاصة في المدن للتعبير عن أذواقهم ومثلهم الحضارية ، بل اقتبست بعض مظاهر حضارتهم في الألبسة والألوان . والواقع أن بعض العرب الذين نزلوا المدن الأعجمية أخذوا يقلدون الأعاجم في ألبستهم وأذواقهم ، فيقول البلاذري « إن عباد بن زياد غزا قندهار ورأى قلانس أهلها طوالا فعمل عليها فسميت العبادية » « 1 » . ويقول الجاحظ « وكذلك ترى أبناء العرب والأعراب الذين نزلوا خراسان لا ترى بينهم وبين أهل فرغانة فرقا في السبال الصهب والجلود القشرة والاقفاء العظيمة والأكسية الفرغانية ، وكذلك جميع تلك الأرباع لا تفصل بين أبناء النازلة وبين أبناء النابتة » « 2 » . والراجح أن ما قاله الجاحظ عن ما وراء النهر ينطبق على أنحاء أخرى من الدولة الإسلامية ، كما أن ازدياد هذا الاقتباس هو أحد المبررات في وصف الجاحظ أن دولة بني مروان عربية ودولة بني العباس إسلامية . ويقول مالك أن الخياطة من عمل الموالي . « 3 »

--> ( 1 ) فتوح البلدان 434 . ( 2 ) مناقب الأتراك . ضمن مجموعة رسائل الجاحظ 1 / 63 - 64 . ( 3 ) المدونة 4 / 95 .