صالح أحمد العلي
13
المنسوجات والألبسة العربية في العهود الإسلامية الأولى
تمايز أهل الحرف ، بما في ذلك الكتاب والفقهاء والتجار والدهاقين بألبسة ذات ألوان معينة ، كالذي حدث في العصر العباسي . قدّمت المصادر عن ملابس الرجال وألوانها معلومات أوفر مما قدّمته عن ملابس النساء وألوانها . غير أن هذه المعلومات تكفي للاستنتاج بعدم وجود تباين كبير بين أذواق النساء والرجال في اختيار الألوان وتفضيلها ، رغم أن كتب الفقه والأوساط الأشد تمسّكا بالشريعة تؤكد قيودا أشد على الرجال ، فتذكر كراهية استعمال الرجال لبعض الألوان والألبسة التي لا يرون كراهيتها للنساء . لا ريب في أن أهل الأمصار العربية ، وهم الذين وصلتنا عنهم أكثر الأخبار ، لم يكونوا في حالة واحدة من الذوق أو مستوى المعيشة أو الثروة ، فقد كان فيهم الفقراء والزهاد ومحبو البساطة في المظاهر ، كما كان فيهم الأغنياء والمترفون والمعنيون باختيار ملابسهم وألوانها . إلا أن المصادر الأدبية التي عليها جل اعتمادي ، اهتمت بذكر العلماء والمتصلين بالخليفة وبعض العلية ودونت معلومات عن ملابسهم وألوانها ، فمعظم المعلومات التي أذكرها في هذا البحث تتعلق بألوان ملابس طبقة معيّنة كانت لها مكانة كبيرة في المجتمع ، وكانت أنموذجا يقدّره الآخرون ويعملون على الاحتذاء به ، فملابسهم وألوانها تمثّل « المثل العليا » التي يعمل الكثيرون على تقليدها ونشرها بين الناس ، فهي منتشرة بين أفراد وأوساط أكثر بكثير من القلّة التي صرحت المصادر بأسمائها في كتب الفقه ، فاهتمت بما يسود عند سواد الناس وعمومهم . فالألوان التي تشير إلى استعمالها كانت هي السائدة بين الغالبية العظمى من الناس في بيئات الفقهاء الذين ألّفوا تلك الكتب على الأقل . إن أكثر المعلومات التي تناولت ألبسة القرن الأول وأوائل القرن الثاني ، كانت عن ملابس أهل الحجاز . أما معلومات القرن الثاني والثالث ، فأكثرها عن بغداد ، ومعلومات القرن الرابع عن الفسطاط ومصر . ومرجع ذلك تنوّع مراكز الحضارة وتطورها .