ابن سعيد علي بن موسى الأندلسي

42

المقتطف من أزاهر الطرف

يبسطنى بارتياحه ، ويغبطني باستحسانه واستملاحه . قال لي : هذا الذي جمعته بهذه الرحلة الطويلة ، والاجتهاد الكلى أنت فيه كما جاء في الأثر النبوي : « منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا » ، أم عامل بما قيل : تجمّع الفكر على قليل المحفوظ خير من تفرقه على كثير الملحوظ فإن ذلك داع إلى أن تبقى سلاح المذاكرة مصقولة ، وأيدي المحاضرة غير مغلولة . ومع هذا هل تجعل عمره مقترنا بعمرى أم تجعله مقترنا بعمر الدهر ، لتذكر به إذا نسيت ، وتخبر إذا مت ، فعلمت ما أشار إليه من تقييد العلم بالكتاب ، وقلت كان والدي « 1 » قد جمع كتاب المشرق في حلى المشرق وكتاب المغرب في حلى المغرب ، وجل جهدي في تكميل هذين الكتابين على ما رسم لي . قال : وما الذي رسمه لك ؟ قلت : إنه متى ذكر بلد ابتدئ فيه بالحلى البلاديّة بما هو داخل في علم الجغرافيا ، فترسم صورته ثم تذكر من حيوانه ونباته ومعدنه ، وما يتركب من ذلك إلى ما يتعلق بوصف الأنهار والمتنزهات بما تتحلى به الحاضرة ، ثم يعقب ذلك بالحلى العبادية ، فيذكر أول من حل بذلك البلد ويؤتى بتاريخه على النسق إلى الوقت الذي صنف فيه الكتاب ، ويذكر من أرباب رئاستيه السيفية والقلميّة ومن انضاف إلى ذلك من الأعلام في فنون الجد والهزل ما يمتع الجليس بنكت النثر والنظم والحكايات ، ويعمر المجلس النبيل فقال : هذا مقصد جليل ، ولا يرتهن في الوفاء به إلا من جال أقطار الغرب والشرق ، وشافه أعلامهما ، وطالع خزائن مصنفاتها ، وأعين على ذلك مع ما ذكر بالقوة الحافظة والفكر الوضاء ، ورزق من الفصاحة والبلاغة ما يلخص به المتعقد ، ويختصر الطويل ، ويحسن العبارة بالألفاظ الصقيلة والمعاني النبيلة ، وقد أعطى والدي القوس باريها ، والدار بانيها ، فكيف يكون لسانك فيمن تذكره من الماضين والمعاصرين ؟ فقلت : قد عهد إلى ألا انقل فيما أجد فيه ذم أحد بنثر ولا بنظم ، ولا أصنع مثل ذلك لحنق على أحد أو لفضول لسان دون ترة أو غير معرفة كما صنع ان ابن حيان « 2 » في

--> ( 1 ) والده : موسى بن محمد بن عبد الملك بن سعيد . أنظر التمهيد . ( 2 ) أبو مروان حيان بن خلف من أهل قرطبة . توفى عام 469 ه ومن كتبه « المتين » وهو في تاريخ الأندلس وكما يقول ابن خلكان يقع في ستين مجلدا . انظر الوفيات 2 / 218 .