أبو الفضل أحمد بن حسين بديع الزمان الهمذاني
42
مقامات بديع الزمان الهمذاني
إذا طمح النّاس للمكرمات * فطرفهم المطرق النّاعس تعاف الأكارم إصهارهم * فكلّ أياماهم عانس « 1 » فلمّا بلغ هذا البيت تنبّه ذلك النّائم ، وجعل يمسح عينيه ، ويقول : أذو الرميمة يمنعني النّوم بشعر غير مثقّف ولا سائر « 2 » ؟ فقلت : يا غيلان ، من هذا ؟ فقال : الفرزدق ، وحمي ذو الرّمّة فقال : وأمّا مجاشع الأرذلون * فلم يسق منبتهم راجس « 3 » سيعقلهم عن مساعي الكرام * عقال ، ويحبسهم حابس « 4 » فقلت : الآن يشرق فيثور « 5 » ، ويعمّ هذا وقبيلته بالهجاء ، فو اللّه ما زاد الفرزدق على أن قال : قبحا لك يا ذا الرّميمة ! أتعرض لمثلي بمقال منتحل « 6 » ؟ ثمّ عاد في نومه كأن لم يسمع شيئا ، وسار ذو الرّمّة وسرت معه ، وإنّي لأرى فيه انكسارا حتّى افترقنا .
--> ( 1 ) تعاف : تكره . أصهارهم : الزواج منهم . الأيامى : النساء . العانس : التي كبرت دون زواج . ( 2 ) شعر غير مثقف ولا سائر : شعر غير مهذب ولا ذائع بين الناس . ( 3 ) مجاشع : قوم الفرزدق . الراجس : السحاب المصحوب بالرعد . معنى البيت : لا سقى اللّه قوم الفرزدق ، وحلّ القحط فيهم . ( 4 ) عقل : منع . وعقال وحالس من آباء الفرزدق . والمعنى أن قوم الفرزدق لن يحرزوا المكرمات . ( 5 ) يشرق ويثور : يغص من الألم ويهيج إلى هجاء ذي الرمة . ( 6 ) منتحل : منسوب إلى غير صاحبه . يريد ان يقول إن شعر ذي الرمّة سبقه إليه جرير حيث يقول : وما زال معقولا عقال عن الندى * وما زال محبوسا عن المجد حابس وهكذا سميت المقامة بالغيلانية لأن الحديث يدور فيها حول الشاعر الأموي غيلان بن عقبة الملقب بذي الرمة ، ولا أثر فيها لأبي الفتح الإسكندري .