أبو الفضل أحمد بن حسين بديع الزمان الهمذاني

28

مقامات بديع الزمان الهمذاني

صوت له من كلّ عرق معنى ، فانتحيت وفده « 1 » حتّى وقفت عنده ، فإذا رجل على فرسه ، مختنق بنفسه « 2 » ، قد ولّاني قذاله « 3 » ، وهو يقول : من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا أعرّفه بنفسي : أنا باكورة اليمن « 4 » وأحدوثة الزّمن « 5 » ، أنا أدعية الرّجال ، وأحجيّة ربّات الحجال « 6 » ، سلوا عنّي البلاد وحصونها ، والجبال وحزونها « 7 » ، والأودية وبطونها ، والبحار وعيونها ، والخيل ومتونها ، من الّذي ملك أسوارها ، وعرف أسرارها ، ونهج سمتها ، وولج حرّتها « 8 » ؟ سلوا الملوك وخزائنها ، والأغلاق « 9 » ومعادنها ، والأمور وبواطنها ، والعلوم ومواطنها ، والخطوب ومغالقها ، والحروب ومضايقها ، من الّذي أخذ مختزنها ، ولم يؤدّ ثمنها ؟ ومن الّذي ملك مفاتحها ، وعرف مصالحها ؟ أنا واللّه فعلت ذلك ، وسفرت بين الملوك الصّيد « 10 » ، وكشفت أستار الخطوب السّود ، أنا واللّه شهدت حتّى مصارع العشّاق ، ومرضت حتّى لمرض الأحداق ، وهصرت الغصون النّاعمات « 11 » ، واجتنيت ورد الخدود

--> ( 1 ) انتحيت وفده : قصدت أن أفد إليه . ( 2 ) مختنق بنفسه : مختنق الأنفاس جياش بها . ( 3 ) القذال : مؤخر الرأس . ( 4 ) باكورة اليمن : أول السعد ، إشارة إلى اسمه أبي الفتح . ( 5 ) أحدوثة الزمن : حديث الناس لشهرته وذيوع صيته . ( 6 ) ربات الحجال : النساء . إنه لغز يحتاج إلى حل من قبل النساء . ( 7 ) حزونها : مرتفعاتها . ( 8 ) الحرة : القطعة المستديرة من الأرض . ( 9 ) الأعلاق : الأقفال التي توصد بها الأبواب . والأصح أن تكون الأغلاق : أي الحلي . ( 10 ) سفر بين الملوك الصيد : سعى للصلح بين الملوك الشجعان الأكارم . فهو رجل ذو شأن ومكانة . ( 11 ) هصر الغصون الناعمات : أمالها وأحناها . يريد أنه أحب النساء وعانقهن .