أبو الفضل أحمد بن حسين بديع الزمان الهمذاني

29

مقامات بديع الزمان الهمذاني

المورّدات ، ونفرت مع ذلك عن الدّنيا نفور طبع الكريم عن وجوه اللّئام ، ونبوت « 1 » عن المخزيات نبوّ السّمع الشّريف عن شنيع الكلام ، والآن لمّا أسفر صبح المشيب ، وعلتني أبّهة الكبر ، عمدت لإصلاح أمر المعاد ، بإعداد الزّاد ، فلم أر طريقا أهدى إلى الرّشاد ممّا أنا سالكه ، يراني أحدكم راكب فرس ، ناثر هوس « 2 » ، يقول : هذا أبو العجب ، لا ولكنّي أبو العجائب ، عاينتها وعانيتها ، وأمّ الكبائر قايستها وقاسيتها ، وأخو الأعلاق : صعبا وجدتها ، وهونا أضعتها ، وغاليا اشتريتها ، ورخيصا ابتعتها « 3 » ، فقد واللّه صحبت لها المواكب ، وزاحمت المناكب ، ورعيت الكواكب ، وأنضيت المراكب ، دفعت إلى مكاره نذرت معها ألّا أدّخر عن المسلمين منافعها ، ولا بدّ لي أن أخلع ربقة « 4 » هذه الأمانة من عنقي إلى أعناقكم ، وأعرض دوائي هذا في أسواقكم ، فليشتر منّي من لا يتقزّز من موقف العبيد ، ولا يأنف من كلمة التّوحيد ، وليصنه من أنجبت جدوده ، وسقي بالماء الطّاهر عوده . قال عيسى بن هشام : فدرت إلى وجهه لأعلم علمه فإذا هو واللّه شيخنا أبو الفتح الإسكندريّ ، وانتظرت إجفال النّعامة بين يديه « 5 » ، ثمّ تعرّضت فقلت : كم يحلّ دواءك هذا ؟ فقال : يحلّ الكيس ما شئت ، فتركته وانصرفت .

--> ( 1 ) نبوت : ابتعدت . ( 2 ) ناثر هوس : ينثر كلاما خفيفا . ( 3 ) الأعلاق : الحلي التي تعلق للزينة . ( 4 ) الربقة : الحبل المعقد . يريد أنه ينقل هذه المهمة إلى سواه من الناس . ( 5 ) أجفال النعامة : تفرق عامة الناس عنه .