أبي محمد القاسم بن علي الحريري البصري
17
مقامات الحريري ( المقامات الأدبية )
المقامة الأولى الصّنعانيّة « 1 » حدّث الحارث بن همّام قال : لمّا اقتعدت غارب الاغتراب « 2 » ، وأنأتني « 3 » المتربة « 4 » عن الأتراب « 5 » . طوّحت بي « 6 » طوائح « 7 » الزّمن ، إلى صنعاء اليمن . فدخلتها خاوي « 8 » الوفاض « 9 » ، بادي الإنفاض « 10 » . لا أملك بلغة ، ولا أجد في جرابي مضغة « 11 » . فطفقت أجوب طرقاتها مثل الهائم « 12 » ، وأجول في حوماتها جولان الحائم « 13 » . وأرود في مسارح لمحاتي ، ومسايح غدواتي وروحاتي « 14 » ، كريما أخلق له ديباجتي « 15 » ، وأبوح إليه بحاجتي ، أو أديبا تفرّج رؤيته غمّتي « 16 » ،
--> ( 1 ) ابتدأ بها لأنه يروى أن صنعاء أول بلدة صنعت بعد الطوفان . ( 2 ) غارب كل شيء أعلاه واقتعده اتخذه قعدة والغارب الكاهل وهو مقدم ظهر الدابة فاستعاره للاغتراب وهو التغرب عن الوطن . ( 3 ) أي أبعدتني . ( 4 ) الفقر لأنها تلصق صاحبها بالتراب . ( 5 ) جمع ترب بالكسر وترب الرجل لدته الذي نشأ معه . ( 6 ) رمت . ( 7 ) أي خطوبه وقواذفه . ( 8 ) أي فارغ . ( 9 ) جمع وفضة وهي خريطة من أدم يجعل فيها الراعي زاده . ( 10 ) أنفض الرجل إذا فني زاده وماله . ( 11 ) البلغة ما يتبلّغ به من العيش وهو اليسير من الزاد والمضغة هي ما يمضغ . ( 12 ) أي جعلت أقطع طرقاتها بالطواف فيها مثل الحيران . ( 13 ) طائر إذا اشتد به العطش ورد الماء فحام عليه حتى يغرق وهو يشربه فإن ناله الماء تساقط ريشه . ( 14 ) مسارح اللمحات هي المواضع التي يجول فيها النظر والمسائح جمع مسيحة من ساح في الأرض يسيح إذا ذهب والغدوات والروحات بمعنى الذهاب والمجيء . ( 15 ) أي أبذل له وجهي . ( 16 ) الغمة ما على القلب من الغم .