أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
23
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم
ثم اعلم أن العقل يطلق على معان : أحدها : الوصف الذي يفارق الانسان به سائر البهائم ، وبه استعد لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية . وهذا ما قيل في حده أنه غريزة يتهيأ بها درك العلوم النظرية ، وكأنه نور يقذف في القلب ، به يستعد لادراك الأشياء . وثانيها : أنه بعض العلوم الضرورية لجواز الجائزات واستحالة المستحيلات ؛ وهي العلوم التي تخرج إلى الوجود في ذات الطفل المميز وهو أيضا صحيح ، لأن هذه العلوم موجودة ، وتسميتها عقلا ظاهرة ؛ إذ يقال : صار الصبي عاقلا ، وهو بهذا المعنى . وأما من أثبت هذا ونفى المعنى الأول - أعني الغريزة المذكورة - فقد أخطأ . وثالثها : علوم تستفاد من التجارب لهذه الأحوال ، فان من هذبته التجارب ، يقال له في العرف : عاقل ؛ ويقابله : غبي غمر جاهل . ورابعها : أن تنتهي قوة تلك الغريزة ، إلى أن يعرف عواقب الأمور ، ويقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة ويقهرها ، وهي الغاية القصوى للقوة الغريزية المذكورة . والمعنيان الأولان بالطبع للانسان ، والأخيران بالاكتساب . ثم اعلم أن التفاوت يتطرق إلى هذه الأقسام ، سوى الثاني منها ، لأن الضروري لا تفاوت فيه ؛ وأما الرابع فلا يخفى تفاوت الناس فيه : وذلك بالتفاوت في الشهوة ، إذ يغلب بعض الشهوة في البعض فلا يقدر على تركه ، ويضعف في الآخر فيتركه ، وقد يتفاوت في شخص واحد ، فان الشاب لا يقدر على ترك الزنا بخلاف الشيخ غالبا ؛ وأما بالتفاوت في العلم بغائلة الشهوة ، كالعامي والعالم في معرفة ضرر المعصية ؛ وأما الثالث فان الناس متفاوتون في علوم التجارب : إذ قد يتفاوت الانسان في الغريزة والتجارب ثمرتها ، وقد يتفاوت في الممارسة فيتفاوت التجارب ؛ وأما الأول - أعني تفاوت الغرائز - فلا سبيل إلى جحدها ، لأن من جوز أن عقل النبي صلى اللّه عليه وسلم مثل عقل السوادية واجلاف البوادي ، فقد خلع ربقة الانسانية عن