أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
429
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم
أثبت نظيره في الثاني ، ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول ، كقوله تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ الآية . التقدير : ومثل الأنبياء والكفار ، كمثل الذي ينعق والذي ينعق به ، فحذف من الأول : الأنبياء ، لدلالة الذي ينعق عليه ، ومن الثاني : الذي ينعق به ، لدلالة الذين كفروا عليه . وقوله تعالى : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ « 1 » ، فحذف من الأول تدخل غير بيضاء ، ومن الثاني وأخرجها . قال الزركشي : هو أن يجتمع في الكلام متقابلان ، فيحذف من كل واحد منهما مقابله ، لدلالة الآخر عليه . ومن أمثلته : « خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا » ، أي عملا صالحا بسيء ، وآخر سيئا بصالح . ومن لطيفه قوله تعالى : فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ « 2 » ، أي فئة مؤمنة تقاتل في سبيل اللّه وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت . وله في القرآن نظائر . وهو أبلغ ما يكون من الكلام . ومأخذ هذه التسمية من الحبك ، الذي معناه الشد والأحكام ، وتحسين أثر الصنعة في الثوب ؛ فحبك الثوب سد ما بين خيوطه من الفرج ، وشده وأحكامه ، بحيث يمنع عنه الخلل مع الحسن والرونق . وبيان أخذه منه أن مواضع الحذف من الكلام ، شبهت بالفرج بين الخيوط ، فلما أدركها الناقد البصير بصوغه الماهر في نظمه وحوكه ، فوضع المحذوف مواضعه ، كان حائكا له ، مانعا من خلل يطرقه ، فسد بتقديره ما يحصل به الخلل ، مع ما أكسبه من الحسن والرونق . النوع الرابع : ما يسمى بالاختزال ؛ وهو ما ليس واحدا مما سبق . وهو أقسام ؛ لأن المحذوف أما كلمة اسم ، أو فعل ، أو حرف ، أو أكثر . أمثلة حذف الاسم : حذف المضاف : وهو كثير في القرآن جدا ، حتى قال ابن جني : في القرآن منه زهاء ألف موضع .
--> ( 1 ) سورة النمل ، آية : 12 . ( 2 ) سورة آل عمران ، آية : 109 .