أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده

191

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم

وطلب منه أن يتولى القضاء ، ويخرج القضاة إلى الكور من تحت يده ، فأبى ، فحلف المنصور بحبسه ، وضرب كل يوم عشرة سياط ، حتى ضرب مائة وعشرة سياط ، فلما تتابع عليه الضرب ، بكى وأكثر البكاء ، فلم يلبث إلا يسيرا حتى انتقل إلى جوار اللّه تعالى ، محبوسا مبطونا مجهودا ، فأخرجت جنازته ، وكثر البكاء عليه ، ودفن بمقابر الخيزران . قيل : فلما أبى دسوا إليه السم فقتلوه . مات سنة خمسين ومائة ، وكان ابن سبعين سنة ، وقيل سنة إحدى وخمسين ومائة ، في رجب أو شعبان أو نصف شوال ، ولم يعقب إلا حمادا ، وصلى عليه الحسن بن عمارة وأخرج من باب خراسان ، ونودي في الناس ، فلم يقدر على دفنه إلا بعد العصر من الزحام ، وحزر من صلى عليه مقدار خمسين ألفا ، وجاء المنصور فصلى على قبره ، ومكث الناس يصلون على قبره إلى عشرين يوما . والصحيح أن الإمام توفي في السجن ، وإنما الخلاف في أنه مات بالضرب أو بالسم . والتوفيق بينهما ، أنه سقي السم ، ثم ضرب مصلوبا حتى يتفرق السم . واختلف في كيفية السم ، قال بعضهم : دسوا إليه السم ولم يعرفه ، وقيل : أكره على شربه ، فامتنع وقال : أعلم ما فيه ولا أعين نفسي ، فطرح وصب في فمه . روي أنه لما أحس بالموت ، سجد ، فمات وهو ساجد . قيل : لما أحس الإمام بالسم قام ، قال المنصور : إلى أين ، قال : إلى حيث وجهتني ، فمضى به إلى السجن فمات فيه ، رحمة اللّه عليه . واعلم أنه جرى للإمام ، مثل ما جرى له مع المنصور ، مع ابن هبيرة ، مرة أخرى في أيام المروانية ، وأراد أن يوليه قضاء الكوفة ، فأبى ، وحبسه وضرب سياطا على رأسه ، حتى انتفخ رأسه ووجهه ، فلم يقبل ، فقال : ضربه في الدنيا أهون من مقامع الحديد في الآخرة ، ثم قال : أشاور أصحابي ، فأخرجه من السجن ، فهرب إلى مكة ، وأقام هناك إلى الدولة العباسية ، فجاء زمن الخليفة المنصور ، فأكرمه وأعطاه جائزة فلم يقبل . قيل : رأى ابن هبيرة النبي صلى اللّه عليه وسلم في المنام وهو يقول : أما تخاف اللّه تعالى ، تضرب رجلا من أمتي بلا