أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
143
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم
وذلك أما الفلسفة التي اشتبهت بالكلام ؛ أو كلام أهل الاعتزال ؛ أو كلام يداخل صاحبه العجب والهوى . والأول حرام إن خالف الكتاب والسنة ، وبدعة إن لم يخالفهما ولم يوافقهما أيضا ، اللهم إلا أن يجعل مبادئ لعلم الكلام . والثاني بدعة وحرام لمخالفة الكتاب والسنة . والثالث ، أعني الكلام المقارن بالجدال ، لباعث على العصبية والهوى ، حرام أيضا ، إلا الجدال بالتي هي أحسن ، كما عرفت . ولا يخفى أن إنكار السلف ، لا ينبغي أن يكون على كلام الأشاعرة والماتريدية ، بل على كلام الفلاسفة وأهل الاعتزال ، وعلى كلام أهل الجدال بالباطل ، إذ الكلام الشائع في زمان الأئمة المجتهدين ، هو كلام أهل الاعتزال والارجاء وأمثالهما . وأما كلام أهل السنة والجماعة ، فقد حدث بعد انقراضهم بزمان كثير . وتفصيل ذلك أن الصحابة رضوان اللّه عليهم أجمعين ، كانوا في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، على عقيدة واحدة ، لأنهم أدركوا زمان الوحي ، وشرف صحبة صاحبه ، وأزال نور الصحبة عنهم ظلم الشكوك والأوهام ، وهكذا إلى زمن انقراض الصحابة رضي اللّه عنهم . ولما مضى العلماء الذين يرجعون إليهم في المضايق ، ترأس الناس كلهم لائقا وغير لائق ، وأفتوا بغير علم ، فضلوا وأضلوا . ولما صار حدود المائة من الهجرة ، وانقضى الصدر الأول من الصحابة ظهر بين الناس الجدال والمراء والعصبية والهوى ، وظهر تشويش عقائد المسلمين ، وخرم نظام الدين ، وتشعب مسالك الاسلام ، واشتبه الصحة بالسقام ، حتى أن رجلا قال لابن عمر ، رضي اللّه عنهما : ظهر في زماننا رجال يزنون ، ويسرقون ، ويشربون الخمر ، ويقتلون النفس التي حرم اللّه ، ثم يحتجون علينا ، ويقولون : كان ذلك في علم اللّه ، فغضب ابن عمر ، وقال : سبحان اللّه كان ذلك في علم اللّه ، ولم يكن علمه يحملهم على المعاصي .