أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
43
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم
لأن التعريض يؤثر في الزجر ، والتصريح ربما يغرى بالمنهى عنه ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « لو نهى الناس عن فت البعر لفتوه ، وقالوا : ما نهينا عنه إلا وفيه شيء » . وينبه على ذلك « قصة آدم وحواء » وما نهيا عنه . ولذا قيل : الإنسان حريص على ما منع . وقد قيل : رب تعريض أبلغ من التصريح ، إذ التعريض لا يهتك حجاب الهيبة ، والتصريح يرفعه بالكلية ، فيستفيد المنهى جرأة على المخالفة إذا اضطر إلى المخالفة له مرة أخرى . ولقد شاهدنا هذا الأمر في المولى الوالد روح اللّه روحه ، حيث ما قابلنا في أمر بتصريح ، بل كان يعرض وكنا ننزجر عن ذلك الأمر فوق ما ينزجر الناس عن التصريح . وينبغي أن يكون ناصحا لهم ، ومتواضعا لهم مع الوقار ، صابرا على تعليمهم في أكثر النهار ، ومحرضا على كسب العلوم ، ومشفقا عليهم ، ومتحملا منهم ما يصدر عنهم من الهفوات ، وناظرا في أحوالهم الدنيوية والأخروية ، يبر حقوقهم بقدر وسعه وطاقته . الوظيفة السادسة : أن يبدأ في التعليم ما يهم المتعلم في الحال ، أما في معاشه ، أو في معاده ، ويعين له ما يليق بطبعه من العلوم ، إذ كل ميسر لما خلق له ، ويراعى الترتيب الأحسن في ترتيب العلوم حسبما تقتضيه رتبتها . ولا ينبغي أن يرقيهم من الجلي إلى الدقيق ومن الخفي إلى الظاهر دفعة وفي أول رتبة ، بل على قدر الاستعداد ، اقتداء بمعلم البشر كافة ومرشدهم قاطبة ، حيث قال : « أنا معشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ونكلم الناس بقدر علومهم » . وقال علي رضي اللّه عنه وأومى إلى صدره : ان هاهنا لعلوما جمة لو وجدت لها حملة . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « كلموا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون . أتريدون أن يكذب اللّه ورسوله » . وقال تعالى : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ « 1 » . وسئل بعض المحققين عن شيء فاعرض ، فقال السائل : أما سمعت قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من كتم علما نافعا جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار » ، فقال أترك اللجام واذهب ، فإن جاء من يفقه ،
--> ( 1 ) سورة الأنفال ، آية : 23 .