الراغب الأصفهاني
88
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
وقال آخر : خليليّ ألّا تبكيا لي أستعن * خليلا إذا انزفت دمعا بكى ليا الشكاية من انقطاع الدم قال كثيّر : أقول لدمع العين أمعن لأنّه * بما لا يرى من غائب الدّمع يشهد قال عليّ بن جميلة : ولم أر مثل العين ضنّت بمائها * عليّ ولا مثلي على الدّمع يحسد قال آخر : نزفت دمعي وأزمعت الرحيل غدا * إذا رحلت ودمع العين مكفوف ومما يقرب من هذا الباب في الاعتذار للدمع قول الوزير أحمد بن إبراهيم : لا تحسبين دموعي البيض غير دمي * وإنمّا نفسي الحامي يصعّده اعتذار من أظهر البكاء قال بعضهم : أتتني تؤنّبني بالبكاء * فأهلا بها وبتأنيبها وقالت وفي قولها حشمة * أتبكي بعين تراني بها فقلت إذا استحسنت غيركم * أمرت الدموع بتأديبها وقال آخر : ردّ الجموح الصّعب أيسر محملا * من ردّ دمع قد أراد مسيلا وقال كشاجم : أظنّ دمعي مثلي به كلفا * مستأسرا في يدي محبّته « 1 » ستر البكاء قال بشّار لأبي العتاهية : أنا واللّه أستحسن قولك في اعتذارك للدمع : كم من صديق لي أس * ارقه البكاء من الحياء فإذا تفطّن لامني * فأقول ما بي من بكاء لكن ذهبت لارتدى * فطرفت عيني بالرّداء فقال أبو العتاهية ما لذت إلا بمعناك حيث تقول : وقالوا : قد بكيت فقلت : كلا * وهل يبكي من الطّرب الجليد ولكن قد أصيب سواد عيني * بعود قذى له طرف حديد
--> ( 1 ) كلفا : تعلقا وحبا شديدا .