الراغب الأصفهاني
656
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
حسن النّار ووصفها إذا وصفوا شيئا بالحسن قالوا : ما هو إلا نار موقودة . وقالت امرأة : أنا واللّه أحسن من النار الموقدة . وقال قدامة في وصف الذهب : شعاع مركوم ونسيم معقود . ونظر مجوسيّ في مجلس الصاحب إلى لهيب نار فقال : ما أشرقه ! فقال الصاحب : ما أشرقه وقودا وأخسأه معبودا . الياس : ما ترى النار كيف أسقمها القرّ * فأضحت تخبو زمانا وتبصر وبدا الجمر والرماد عليها * في قميصين مذهّب ومعنبر وقال أحمد بن الضحاك : كأنّما النار حين ترمقها * وجمرها من رمادها يحجب وجنة عذراء مسّها خجل * فالتهبت تحت عنبر أشهب وقال الصاحب : الاصطلاء طيّب عند الامتلاء « 1 » . وقال شاعر : وشعثاء غبراء الفروع منيفة * بها توصف الحسناء أو هي أجمل دعوت بها أبناء ليل كأنّهم * إذا أبصروها معطشون قد أنهلوا وقال الجريمي : نار كهادي الشقراء نافرة * تركض من حولها أشافرها النيران التي جعلها اللّه تعالى آية كانت بنو إسرائيل إذا قرّب أحدهم قربانا مخلصا للّه ، نزلت نار فتأكله ومتى لم تنزل النار وبقي القربان على حالته دلّ على أن صاحبه مدخول النيّة . وهذه النار هي التي اقترحوها على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فحكى اللّه عنهم : الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ « 2 » ( الآية ) وقيل إن الحجّاج لما جنّق « 3 » الكعبة جاءت نار فوقعت في المنجنيق فأحرقته فامتنع أصحابه من الرمي ، فقال الحجّاج : إن هذه نار القربان دلّت على أن فعلكم متقبّل . ومن ذلك ، النار التي قصدها موسى فكانت سبب نبوّته « 4 » ومنه نار إبراهيم التي صارت بردا وسلاما « 5 » ومنه نار الحرّتين « 6 » . وذلك أنه ظهر
--> ( 1 ) عند الامتلاء : أي عند الشبع وامتلاء البطن أو المعدة بالطعام . ( 2 ) القرآن الكريم : آل عمران / 189 . ( 3 ) جنّق الكعبة : ضربها بالمنجنيق . ( 4 ) قوله : النار التي قصدها موسى ، إشارة إلى الآية رقم 10 التي وردت في سورة طه ونصّها : إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا . . . لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ . ( 5 ) قوله : نار إبراهيم إشارة إلى الآية الكريمة : قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ [ الأنبياء : 69 ] . ( 6 ) نار الحرّتين : الحرّة : أرض ذات حجارة نخرة سود كأنّها أحرقت بالنّار .