الراغب الأصفهاني
657
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
في حرة بلاد بني عبس نار تسطع باللّيل والنهار ، ويظهر دخانها بالنهار ، وكانت طيء تنقش فيها الإبل من مسيرة ثلاث . وربما ندرت منه عنق فتحرق ما تأتي عليه ، فبعث اللّه خالد بن سنان وهو أول ولد إسماعيل عليه السلام ، ولم يكن في أولاده غيره فاحتفر لها بئرا ثم أدخلها فيه والناس ينظرون ، وهو يقول : كذب ابن راعية المعزى لأخرجن منها وجبيني يندى . ثم لما حضرته الوفاة قال إذا دفنتموني فاحضروا بعد ثلاث ، فإنكم ترون عيرا أبتر يطوف بقبري ، فإذا رأيتم ذلك فانبشوني أخبركم بما هو كائن إلى يوم القيامة . فلما حضروا بعد الثلاث ورأوا العير ، اختلفوا قال ابنه : لا أفعل إني أدعى إذا ابن المنبوش . وقدمت ابنته على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : هذه بنت نبيّ ضيّعه قومه ، وبسط لها رداءه . وقيل : سمعت قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فقالت : كان أبي يتلو هذه السورة والمتكلمون « 1 » ينكرون ذلك . فإن اللّه تعالى يقول : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى . وخالد كان من الفدادين أعرابيا من أهل الوبر . وما بعث اللّه نبيا قط إلا من أهل القرى وسكان المدن . النيران المعبودة المعظّمة أما النار العلوية فقد عبدت . قال اللّه تعالى : وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ « 2 » وقد يجيء في الأثر وسنة بعض الأنبياء تعظيما على جهة المحنة وإيجاب الشكر على النعمة . ويزعم أهل الكتاب أن اللّه تعالى أوصاهم وقال : لا تطفئوا النيران من بيوتي وأما المجوس فقد جاوزوا الحدّ حتى اتخذوا لها البيوت والسدنة « 3 » والوقوف « 4 » الكثيرة . نيران كانوا يوقدونها في أوقات مختلفة إذا أرادوا حربا وقصدوا جمعا ، يوقدون نارا عظيمة يجعلونها أمارة « 5 » لاجتماعهم ، قال عمرو بن كلثوم : ونحن غداة أوقد في خزازي * رفدنا فوق رفد الرافدينا « 6 » وقال الفرزدق : ضربوا الصنائع والملوك وأوقدوا * نارين أشرفنا على النيران
--> ( 1 ) المتكلمون : علماء الكلام الذين يدافعون عن قضايا الدين بالأدلّة العقليّة . ( 2 ) القرآن الكريم : النمل / 24 . ( 3 ) السدنة : خدم الكعبة أو خدم بيت صنم ، جمع سادن . ( 4 ) الوقوف : جمع وقف وهو حبس العين على ملك الواقف ، أو على ملك اللّه والتصدّق بالمنفعة . ( 5 ) الأمارة : العلامة . ( 6 ) خزازى : أي يوم خزازى وهو من أيام العرب .