الراغب الأصفهاني
615
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
قضيت وفضلت النخل . الكرم قال أبو نواس : لنا هجمة لا يدرأ الذئب سخلها * ولا راعها زر العجالة والخطر « 1 » إذا منحت ألوانها مال صفرها * إلى الجوّ إلّا أن ألوانها خضر قال إبراهيم بن المهدي : سلافة كرم تظل النبيط * ترفع منه عريشا عريشا « 2 » إذا أنت قابلته خلته * مطارف خضرا كسين النقوشا قال الرفاء : وشاحبة الظلال مقرطات * ظروف الراح من زنج وروم قال أبو رافع الهروي : كأنّ عناقيد العرائش فوقنا * زنوج وروم علّقوا بالحناجر مدح النخل قال ابن المعتز : ظلّت عناقيدها يخرجن من ورق * كما احتبى الزنج في خضر من الورق وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أكرموا النخل فإنها عمّتكم . وقال : خلق آدم والنخلة والعنبة والرمانة من طينة واحدة . وقال : نعمت العمّة لكم النخلة تغرس في أرض خوّارة وتسقى من عين خرّارة . وقال ابن دريد : سألت أعرابيا فقلت ما أموالكم ؟ قال : النخل . فقلت : أين أنتم من غيره فقال : النخل سعفها صلاء وجذعها غماء وليفها رشاء وفروها إناء ورطبها غذاء . وقال جعفر بن محمد : نعمت العمّة لكم النخلة ، وعمرها كعمر الإنسان وتلقيحها كتلقيحه . وقيل : خير أموال الناس أشبهها بهم . ووصف خالد بن صفوان لهشام النخل فقال : هنّ الراسخات في الوحل المطعمات في المحل الملقحات بالفحل ، فتخرج أسفاطا عظاما وأوساطا كأنها ملئت رياطا « 3 » ثم تفتر عن قضبان اللجين منظومة باللؤلؤ المزين ، فيصير ذهبا أحمر منظوما بالزبرجد الأخضر ، ثم يصير عسلا في لحاء معلقا في هواء ووصفها بعضهم فقال : شريعة العلوق سائحة العروق ، صابرة على الجدوب ، لا يخشى عليها عدو الذئب . وقيل : إن النخلة تقول للنخلة : أبعدي ظلك من ظلي ، أحمل حملي وحملك . وقيل :
--> ( 1 ) السخل : الحمل . ( 2 ) السلافة : الخمر . ( 3 ) الرياط : الملاءة من قطعة واحدة .