الراغب الأصفهاني

56

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

فشبّ بنو ليلى وشبّ بنو ابنها * وأعلاق ليلى في الفؤاد كما هيا « 1 » من ذكر أنّ هواه لا يزول إلا بموت قال شاعر : ستبقى لها في مضمر القلب والحشا * سريرة ودّ يوم تبلى السرائر وقال آخر : يهيم فؤادي ما حييت بذكرها * ولو أنّني قدمت جاوبها الصدى « 2 » المفاضلة بين قديم الهوى وحديثه قال الأصمعي : رأيت في طريق الحج جاريتين كفلقتي القمر ، فلما كانت السنة الثانية رأيت إحداهما فسألتها عن أختها فقالت تزوج بها ابن عم لها ، فقلت : لو أدركتها لتزوجتها فقالت ما يمنعك من شقيقتها في حسبها ونسبها وشريكتها في حسنها فقلت : قول كثير : إذ واصلتنا خلّة كي تزيلها * عرضنا وقلنا الحاجبيّة أوّل فقالت بيننا كثير أليس هو القائل : هل وصل عزّة إلا وصل غانية * في وصل غانية عن وصلها خلف « 3 » وحدّث يحيى بن أكثم المأمون أن كثيّرا اجتمع مع عزّة فتنكرت له متنقّبة وقالت : من أنت ؟ قال كثير فقالت : وهل تركت عزّة فيك نصيبا لغيرها ؟ فقال : لو أن عزة كانت أمة لي لجعلتها لك ، فكشفت البرقع وقالت : أهذا أيضا كذب الوشاة ؟ فاستحيا ، فقال : المأمون لقد استحييت له وأنا على سريري . وقال جعفر بن سليمان : قصدت المهدي يوما فقال : دخلت إلى جارية يقال لها حسناء ودخلت أخرى يقال لها ملكة ، وأردت القيلولة فقلت : عند أيكما أقيل ؟ فقالت حسناء : إن اللّه تعالى يقول : وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ « 4 » فقالت ملكة لا تعجّل فإن اللّه تعالى يقول : وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى « 5 » فقلت لو أن شريكا حضرهما لم يقدر أن يقضي بينهما . قال بشار : سبقت بالحب سلمى غيرها * وأحقّ النّاس عندي من سبق قال أبو تمّام : نقلّ فؤادك حيث شئت من الهوى * ما الحبّ إلّا للحبيب الأوّل كم منزل في الأرض يألفه الفتى * وحنينه أبدا لأوّل منزل

--> ( 1 ) الأعلاق : جمع علق وهو الشيء النفيس . ( 2 ) الصدى ( هنا ) : الصوت من وراء القبر . ( 3 ) يقول : كثير رنه بأبى وصال أية غانية أو حسنها لأن قلبه لا يهيم إلا بحب صاحبته عزّة . ( 4 ) القرآن الكريم : التغابن / 10 . ( 5 ) القرآن الكريم : الضحى / 4 .