الراغب الأصفهاني

533

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

رجله فقطعت بالمنشار ولم يمسكه أحد ، فقال : لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا . ثم قدم قوم من عبس على الوليد وفيهم ضرير ، فقال : نزلت ليلة في بطن واد ولا أعلم في الأرض عبسيا أكثر ما لامني ، فطرقنا سيل ذهب بأهلي ، ومالي غير بعير ومولود ، فند البعير فتبعته ، فسمعت صرخة الولد فرجعت ، فإذا الذئب قد أكله ، فرجعت للبعير وتعلقت بذنبه ، فحطّم وجهي فأعماني فأصبحت لا أهل ولا مال ولا عين . فقال الوليد : خذوا بيده إلى عروة ليتسلّى به . وقال رجل لقوم عزاهم : ما منكم بدأت ولا إليكم انتهت ، وعكس ابن الرومي فقال : ليس تأسو كلوم غيري كلومي * ما به ما به وما بي ما بي وقال فيلسوف : لئن كنت تبكي لنزول الموت بمن أنت له محب ، فلطالما نزل بمن كنت له مبغضا . وقال أفلاطون لرجل رآه مغموما : لو أحضرت قلبك ما فيه الناس من المصائب لقل همك . الحثّ على التسلّي بموت النبي عليه السلام قال صلّى اللّه عليه وسلّم : من أصابته مصيبة فليذكر مصيبته بي . قال ديك الجن : تأمّل إذا الأحزان فيك تكاثفت * أعاش رسول اللّه أم ضمّه القبر رئي على قبر : تعزّ فكم لك من أسوة * تبرّد عنك غلل الحزن بموت النبي وقتل الوصيّ * وذبح الحسين وسمّ الحسن التسلّي بأنه معزّى لا معزّى به قال بعضهم : لا زلنا نعزّيك ولا نعزّي بك ، وقال أبو فراس : كن المعزّى لا المعزّى به * إن كان لا بدّ من الواحد لا بد من فقد ومن فاقد * هيهات ما في النّاس من خالد وقال المتنبّي : مهما يعزّ الفتى الأمير به * فلا بإقدامه ولا الجود « 1 » ومن منانا بقاؤه أبدا * حتى يعزّى بكلّ مولود « 2 »

--> ( 1 ) أي مهما عزاه الإنسان به مما يفقد له فلا عزّاه بشجاعته ولا بجوده . ( 2 ) المنى : جمع منية ، وهو الشيء الذي يتمنى . يقول : نتمنى أن يبقى على الدوام حتى يتقدمه كل مولود فيعزّى به .