الراغب الأصفهاني
534
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
التسلية عمّن مضى بمن بقي قال الحمدوني : حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا * خراش وبعض الشر أهون من بعض وقال البحتري : تعزّ بالصبر واستبدل أسى بأسى * فالشمس طالعة إن غيّب القمر وقال المتنبّي : قاسمتك المنون شخصين جورا * جعل القسم نفسه فيك عدلا « 1 » فإذا قست ما أخذن بما غا * درن سرّى عن الفؤاد وسلّى وقيل لرجل ماتت امرأته نفساء : عظم اللّه أجرك فيما أباد وبارك لك فيما أفاد . التعزية بمملوك دخل إبراهيم ابن العباس على الواثق وقد أصيب بخادم كان مشغوفا به ، فقال : في بقاء السيد المالك عزاء عن المملوك الهالك . أدعية لذوي المصيبة جعل اللّه رزيته خاتمة الرزايا ، وصب على أعدائه ديم المنايا . لا جرّعك اللّه مصيبة غيرها ولا أنالك قارعة سواها . لا نهشتك بعدها حيّة ولا لذعتك كيّة . جعل اللّه مصيبتك أدبا ولا جعلها غضبا . لقّاك اللّه الصبر ووقاك ما يحبط الأجر لا أنساك اللّه المصيبة بأعظم منها . وهب اللّه لك عمرا طويلا وأجرا جزيلا وصبرا جميلا . وقال رجل لابن عمر : عظّم اللّه أجرك فقال : بل جعل لي العافية ، معناه أن تعظيم الأجر في تعظيم ما يؤجر عليه من المصيبة . ويقال : أخلف اللّه عليك لما منه عوض ، وخلف اللّه عليك لما ليس منه عوض . وقال يحيى البرمكي : التعزية بعد ثلاث تجديد للمصيبة والتهنئة بعد ثلاث استخفاف بالمودّة . تعازي الحمقاء مات ابن لعبد الملك فجاءه ابنه الوليد يعزّيه فقال : يا بنيّ مصيبتي فيك أقدح في بدني من المصيبة بأخيك ، قال : أمّي أمرتني بذلك . واغتم الحجّاج بموت صديق له وعنده شاميّ أوفده إليه عبد الملك في مهمّة . فقال الحجاج : ليت إنسانا يعزّيني عنه بأبيات . فقال : أقول أيها الأمير قال : قل ، فقال : كل خليل سوف يفارق خليله بموت أو بصلب أو يقع فوق البيت أو يقع البيت عليه ، أو يسقط في بئر ، أو يكون سبب لا نعرفه . فقال الحجّاج : حسبك ، فمصيبتي بأمير المؤمنين حيث أرسل مثلك في مهمّة أنستني هذه .
--> ( 1 ) يريد بالشخصين أختي سيف الدولة .