الراغب الأصفهاني

52

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

وقال : ضني في الهوى كالسمّ في الشهد كامنا * لذذت به جهلا وفي لذّتي حتف وقال : والعشق كالمعشوق يعذب قربه * للمبتلي وينال من حوبائه « 1 » لو قلت للدنف الحزين فديته * ممّا به لأغرته بفدائه التبرّم بالهوى قال محمّد بن عبد اللّه بن طاهر : ليت الهوى لم يكن بيني وبينكم * وليت معرفتي إيّاك لم تكن وقال البحتري : رحلوا فأيّة عبرة لم تسكب * أسفا وأيّ عزيمة لم تغلب لو كنت شاهدنا وما صنع الهوى * بقلوبنا لحسدت من لم يحبب التلذّذ بالهوى عند المواصلة والتبرّم به لدى المعارضة قال الخوارزمي : وهذا الهوى عيش المحبّ إذا صفا * ولكن إذ لم يصف كان له حتفا وقال وهب الهمداني : ولي بين هجران الحبيب ووصله * مصيران موت تارة ونشور « 2 » التعبّد للمحبوب وتذليل النفس فيه قد أجمع الأدباء على تفضيل قول أبي الشّيص : وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي * متأخّر عنه ولا متقدّم أجد الملامة في هواك لذيذة * حبا لذكرك فليلمني اللوم أشبهت أعدائي فصرت أحبّهم * إذ كان حظّي منك حظّي منهم وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا * ما من يهون عليك ممّن يكرم ويستعذب قول المتنبّي حتى ما من أديب إلا وهو يرويه ولا مغن إلا وهو يغنّيه : يا من يعزّ علينا أن نفارقهم * وجداننا كلّ شيء بعدكم عدم

--> ( 1 ) الحوباء : النّفس ، واللفظة من الحوبة ومعناها الحاجة ، والنفس موضع الحاجات ، والحوباء الآثمة وهي مؤنث الأحوب . ( 2 ) النشور : العودة إلى الحياة بعد الموت ، وأراد بالنشور هنا تجدّد الحياة بعد فراق الأحبّة الذي اعتبره بمثابة الموت .