الراغب الأصفهاني

512

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

ودخل العتبي المقابر ، فأنشد : سقيا ورعيا لإخوان لنا سلفوا * أفناهم حدثان الدهر والأبد « 1 » نمدّهم كلّ يوم من بقيّتنا * ولا يئوب إلينا منهم أحد وقال الغطمش : أرى الأرض تبقى والأخلّاء تذهب ونحوه : إذا زرت أرضا بعد طول اجتنابها * فقدت صديقا والبلاد كما هيا وقيل لبهلول وقد أقبل من مقبرة : من أين ؟ فقال : من عسكر الموتى . فقيل : ما قلت وما قالوا ؟ فقال : سألتهم متى يرحلون ؟ فقالوا : ننتظر قدومكم ثم نرتحل . ونحو هذا قول الحسن : يا عجبا بقوم أمروا بالزاد وأذنوا بالارتحال وأقام أولهم على آخرهم وآخرهم قعود يلعبون فليت شعري ما الذي ينتظرون ؟ قال الموسوي : تملي المقادير أعمارا وتنسخها * ويضرب الدهر أياما بأيّام « 2 » مرجع الإنسان إلى ما خلق منه قال اللّه تعالى : مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى « 3 » . وقال المتنبي : إلى مثل ما كان الفتى يرجع الفتى * يعود كما أبدي ويكري كما أرمى « 4 » قال الخبزارزي : هو الموت مخلوق له الخلق أجمع * فليس له عن أنفس النّاس مقلع « 5 » وقال المتنبّي : نحن بنو الدنيا فما بالنا * نعاف ما لا بدّ من شربه « 6 » تبخل أيدينا بأرواحنا * على زمان هنّ من كسبه فهذه الأرواح من جوّه * وهذه الأجساد من تربه لو فكّر العاشق في منتهى * حسن الذي يسبيه لم يسبه « 7 »

--> ( 1 ) الحدثان : اللّيل والنّهار وحدثان الدّهر أيضا نوائبه ومصائبه . ( 2 ) تنسخها : تزيلها وتبطلها . ( 3 ) القرآن الكريم : طه / 55 . ( 4 ) يكري الشيء : ينقص - أرمى : زاد . ( 5 ) المقلع : من أقلع أي ترك وكفّ ، وليس له مقل : أي ليس بخياره أن يتركهم أو يتجنب إماتتهم . ( 6 ) نعاف : نكره . ( 7 ) أي لو فكر فيما تصير إليه محاسن معشوقه بعد الموت لم يعشقه .