الراغب الأصفهاني
513
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
ومنها : يموت راعي الضأن في جهله * ميتة جالينوس في طبّه « 1 » وربّما زاد على عمره * وزاد في الأمن على سربه « 2 » فهذا الكلام هو الجوهر الذي لا قيمة له . ذمّ من يخاف الموت ولا يستعدّ له قال أمير المؤمنين عليه السلام لرجل : كيف أنتم ؟ قال : نرجو ونخاف قال : من رجا شيئا طلبه ومن خاف شيئا هرب منه . وقال أبو الدرداء : العجب لمن يكره الموت لإساءته ولا يكره الإساءة في حياته . ونظر الحسن إلى جنازة يزدحم الناس عليها ، فقال : مالكم تزدحمون ها هي سارية في المسجد ، أقعدوا تحتها واصنعوا ما كان يصنع حتى تكونوا مثله . وقال الحسن لشيخ في جنازة : أترى هذا الميت لو رجع إلى الدنيا كان يعمل صالحا . قال : نعم ، قال : إن لم يكن ذاك فكن أنت ذاك . وقال علي بن عبد العزيز : إذا قلت لم يبلغ بي السّنّ مبلغا * وعظت بطفل صار قبلي إلى التّرب الحثّ على تعاطي ما يسهّل الموت جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : إني أكره الموت . فقال : ألك مال ؟ قال : نعم ، قال : قدّمه فإن قلب كل امرئ عند ماله . وقال رجل لأبي الدرداء : ما بالنا نكره الموت ؟ قال : لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم ، فكرهتم أن تنقلوا من العمران إلى الخراب . وقال أبو حازم : كل عمل تكره الموت لأجله فدعه كي لا تخاف منه متى أتاك . من أمر ذويه بالبكاء عليه قيل فيما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ، أنه إنما عنى إذا هو أمرّ به ، نحو قول طرفة بن العبد : إذا متّ فانعيني بما أنا أهله * وشقّي عليّ الجيب يا أمّ معبد « 3 » وقول الفرزدق : إذا متّ فانعيني بما أنا أهله * فكلّ جميل قلت فيّ مصدّق وقال ابن المعتز : إذا متّ فانعيني بما أنا أهله * ولا تذخري دمعا إذا قام نائح
--> ( 1 ) جالينوس من أطباء اليونان المعروفين ، ومع ذلك فلربّما زاد عمر الراعي على عمر جالينوس وكان آمن على نفسه من الهلاك . ( 2 ) جالينوس من أطباء اليونان المعروفين ، ومع ذلك فلربّما زاد عمر الراعي على عمر جالينوس وكان آمن على نفسه من الهلاك . ( 3 ) شقّ عليه الجيب : ناح عليه وبكى نادبا .