الراغب الأصفهاني

506

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

من مات بعد الكبر عاش نوح عليه السلام ما عاش ، وقيل له لما أشرف على الموت : كيف وجدت الدنيا ؟ فقال : وجدتها دارا دخلتها من باب وخرجت من آخر . وقال بعضهم : وكلّ امرئ يوما وإن عاش حقبة * له غاية تجري إليه ومنتهى وقال محمود الوراق : وما صاحب السبعين والعشر بعدها * بأقرب ممّن حنّكته القوابل « 1 » ولكنّ آمالا يؤمّلها الفتى * وفيهنّ للراجين حقّ وباطل وقال المتنبّي : وأوفى حياة الغادرين لصاحب * حياة امرئ خانته بعد مشيب الموت لا يفوته أحد قيل : من لم يمت عاجلا مات آجلا . قال شاعر : فمن لم يلاق الموت كأس منيّة * فلا بدّ منه أن تصادفه غدا وقال آخر : كلّ حيّ مملّك * سوف يفنى وما ملك وقال آخر : وكلّ جمع في الورى لتفرّق وقال آخر : من لم يمت غبطة يمت هرما « 2 » وقيل لابن المقفع : قد كنت نعيت إلينا . فقال : ما بعد كائن ولا قرب بائن . وقال ابن المعتز : ألا إنما جسمي لروحي مطية * ولا بد يوما أن يعرّى من الرحل « 3 » الموت لا يتخلّص منه بالطب قيل للربيع بن خيثم في مرضه : ألا ندعو لك طبيبا ؟ فقال : وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا لقد كان فيهم أطباء فما أرى المداوي بقي ولا المداوى صلح : ما للطبيب يموت بالداء الذي * قد كان يبرئ مثله فيما مضى

--> ( 1 ) حنّكته القوابل : أحكمته وجرّبته الأعوام التالية . ( 2 ) الغبطة : حسن الحال . ( 3 ) الرحل : هو للبعير بمثابة السرج للحصان .