الراغب الأصفهاني
507
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
هلك المداوي والمداوى والذي * جلب الدواء وباعه ومن اشترى وقال المتنبّي : يموت راعي الضأن في جهله * موتة جالينوس في طبّه ودخل الفرزدق على مريض يعوده فسمعه يطلب طبيبا ، فقال : يا طالب الطبّ من داء تخوّفه * إن الطبيب الذي أبلاك بالداء هو الطبيب الذي يرجّى لعافية * لا من يدوف لك الترياق بالماء « 1 » وقال آخر : وأعيا دواء الموت كلّ طبيب وفي باب الطب بعض ذلك وأشباهه . التحرّز لا يخلّص من الموت قيل : إذا انقضت المدة فالحتف في العدة . وقال شاعر : كلّ شيء قاتل * حين تلقى أجلك وقال أبو ذؤيب : وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كلّ تميمة لا تنفع « 2 » وقال المخبل : ولئن بنيت لي المشقّر في * هضب يقصر دونه العصم وقيل : إن عبد الملك هرب من الطاعون ، فركب ليلا وأخرج غلاما معه وكان ينام على دابته فقال للغلام : حدثني ، فقال : ومن أنا حتى أحدثك ؟ فقال : على كل حال حدّث حديثا سمعته . فقال : بلغني أن ثعلبا يخدم أسدا ليحميه ويمنعه ممن يريده ، فكان يحميه فرأى الثعلب عقابا فلجأ إلى الأسد فأقعده على ظهره فأنقض العقاب واختلسه ، فصاح الثعلب : يا أبا الحارث أغثني واذكر عهدك لي ، فقال : إنما أقدر على منعك من أهل الأرض وأما أهل السماء فلا سبيل لي إليهم . فقال عبد الملك : وعظتني وأحسنت . انصرف فانصرف ورضي بالقضاء . ويروى لبعض الجن : رأى الحصن منجاة من الموت فارتقى * إليه فزارته المنيّة في الحصن وقال آخر : يوشك من فرّ من منيّته * في بعض غرّاته يصادفها « 3 »
--> ( 1 ) يدوف الترياق : يخلط الدواء بالماء ، ويذيبه . ( 2 ) تميمة : جمع تمائم ، وهي شبه حرز يعلّق في العنق دفعا للعين والأذى . ( 3 ) غراته : جمع غرة ، وهي الغفلة .