الراغب الأصفهاني
422
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
في المنام فقيل له : ما فعل اللّه بك ؟ فأنشد : حاسبونا فدقّقوا * ثم منّوا فأعتقوا وسمع أعرابي ابن عباس يقرأ قول اللّه تعالى : وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها « 1 » . قال : واللّه ما أنقذنا منها وهو يريد أن يلقينا فيها ، فقال ابن عباس : خذوه من غير فقيه . ولقي يحيى عيسى عليهما السلام فعبس هذا وتبسم هذا ، فقال : هذا لهذا مالك عابس كأنك قانط ، وقال : هذا لهذا مالك ضاحك كأنك آمن ، فأوحى اللّه تعالى إليهما : أن أحبكما إليّ أحسنكما ظنا بي . وقيل لرجل : كم تكون تاركا للتوبة ؟ فقال : رأيت اللّه تعالى وصف قوما فقال : وآخرون اعترفوا بذنوبهم إليّ عسى اللّه أن يتوب عليهم ، وعسى من اللّه واجب . فقيل له : قد قال اللّه تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ « 2 » الآية وقال عمر بن عبد العزيز لعمر بن علقمة : أخاف عليك النار ، فقال : لكني لا أخافها قال لم ، قال لأن اللّه تعالى يقول : لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى « 3 » ، وأنا صدقت وأقبلت . وقال أبو نواس : يا كثير الذنب عف * واللّه من ذنبك أكبر وقال بعضهم : يا رب حجّتي حاجتي ووسيلتي فاقتي . الحثّ على الجمع بين الرّجاء والخوف قال اللّه تعالى في صفة المؤمنين : وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ « 4 » وقال أمير المؤمنين : خف اللّه خوفا ترى أنك لو أتيت بحسنات أهل الأرض لم تقبل منك ، وأرجه رجاء ترى أنك لو أتيت بسيئات أهل الأرض غفرها لك . وقيل : أرج إذا خفت وخف إذا رجوت ، وكن كالمرأة الحامل ليس رجاؤها أن تلد ولدا ذكرا بأكثر من خوفها أن تلد أنثى . وقال بعض الصالحين : لو أنزل اللّه كتابا إني معذب رجلا واحدا لخفت أن أكون ، أو أنه راحم رجلا واحدا رجوت أن أكونه ولو أنزل اللّه أنه معذبي ما ازددت إلا اجتهادا لئلا أعود على نفسي بلائمة . وقال رجل لابنه : خف اللّه خوفا لا يمنعك من الرجا ، وأرجه رجاء لا يمنعك من الخوف ، فالمؤمن له قلبان يرجوه أحدهما ويخافه الآخر ، وقال : أنا بين الرجاء والخوف منه * واقف بين وعده والوعيد وقال أبو نواس : لا تحظر العفو أن كنت امرأ حرجا * فإن حظركه بالدّين إزراء
--> ( 1 ) القرآن الكريم : آل عمران / 103 . ( 2 ) القرآن الكريم : الزلزلة / 7 . ( 3 ) القرآن الكريم : الليل / 16 . ( 4 ) القرآن الكريم : الإسراء / 57 .