الراغب الأصفهاني
423
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
ذمّ من يرجو الغفران من غير ترك ذنب قال سعيد بن جبير : من الاغترار باللّه المقام على الذنب ورجاء الغفران . وقال سليمان بن علي لعمرو بن عبيد : أخبرني عن هذا المال ، فقال : إن أخذ من حله فوضع في حقه سلمت فقال : أنا أحسن ظنا باللّه ، قال : ما كان أحد أحسن ظنا باللّه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فما أخذ درهما إلا من حلّه ولا وضعه إلا في حقه . وقيل في قوله تعالى بل يريد كل امرئ منه أن يؤتى صحفا منشرة . قال : يراه من اللّه من غير عمل يقدمه . ولقي زاهد أخا له فقال : أتاك اليقين أنك وارد جهنم ، قال : نعم ، قال : فهل أتاك اليقين بالصدر ؟ قال : لا ، قال : فما الانتظار والتناعس . وقال الثوري : قطع أطماع العباد آيتان : قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً « 1 » وقوله : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ « 2 » الآية ، وقال محمود الوراق : يا ناظرا يرنو بعيني راقد * ومشاهدا للأمر غير مشاهد تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي * درك الجنان بها وفوز العائد ونسيت أن اللّه أخرج آدما * منها إلى الدنيا بذنب واحد تكذيب من ادّعى حسن ظنّه بربّه وفعله مناف لذلك قال الحسن : إن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا وليست لهم حسنة . يقول : إني أحسن الظن بربي وكذب لو أحسن الظن بربه لأحسن العمل ثم تلا وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ « 3 » . وقال جعفر : رأيت ميسرة العابد وقد بدت أضلاعه من الاجتهاد فقلت له : إن رحمة اللّه قريب قال نعم من المحسنين . ذمّ متمنّ غير عامل قيل : إذا أبغض اللّه عبدا أعطاه ثلاثا يحبب إليه الصالحين ويمنعه القبول منهم ويحبب إليه الأعمال ويمنعه الإخلاص فيها ويجري الحكمة على لسانه ويمنعه الصدق بها . وكتب أبو عمير إلى صديق له : أما بعد فإنك تتمنى على اللّه بسوء فعلك إنما تضرب في حديد بارد . التّحذير من الاغترار باللّه تعالى في تأخير العقوبة قال اللّه تعالى : إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً « 4 » وقال ابن السماك : إن اللّه أمهلهم حتى كأنما أهملهم ولقد ستر حتى كأنه غفر ، وخطب عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه
--> ( 1 ) القرآن الكريم : الزمر / 44 . ( 2 ) القرآن الكريم : البقرة / 255 . ( 3 ) القرآن الكريم : فصلت / 23 . ( 4 ) القرآن الكريم : آل عمران / 178 .