الراغب الأصفهاني

421

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

حثّ الراجع عن التوبة إلى العودة جاء حبيب بن الحارث إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : إني مقارف للذنوب فقال : تب فقال : إني أتوب ثم أعود فقال : كلما أذنبت ذنبا فتب فعفو اللّه أكبر من ذنوبك . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : إن الرجل ليذنب الذنب فيدخل به الجنة . فقيل : كيف يا رسول اللّه ؟ قال : يكون نصب عينه خائفا منه حتى يدخل الجنة . قلّة من لا ذنب له من المكلّفين قال اللّه تعالى : فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً « 1 » وذكر يونس عليه السلام فقال : وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً « 2 » الآية ، وقصّ قصّة داود عليه السلام وقد عوتب محمد عليه الصلاة والسلام بعبس وتولى : وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا و لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ « 3 » الآية ، وقال : في جميع الناس ، ولو يؤاخذ اللّه الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة . جواز إظهار الكفر تقيّة قال اللّه تعالى : إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ « 4 » . وكان عمار أظهر الرضا بفعل الكفار مع انطواء قلبه على الإخلاص . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : إن عادوا فعد وأتى مسيلمة برجلين فقال لأحدهما : تعلم أني رسول اللّه . قال : بل محمد رسول اللّه فقتله . وقال للآخر فقال : أنت ومحمد رسول اللّه فخلّى سبيله فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : أما الأوّل فمضى على عزمه ويقينه ، وأما الآخر فأخذ برخصة اللّه فلا تبعة عليه ، وكالمضاد له . من راقب الناس في مذاهبه * أصمّه ربّه وأعماه رجاء رحمة اللّه وغفرانه ومدح ذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : ما أحبّ أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ « 5 » وقال : إن اللّه تعالى يقول : أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء . وقال ابن عباس لابن عمر رضي اللّه عنهما : أي آية أرجي ؟ فقال : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ « 6 » الآية ، فقال : إن هذه لمرجوة وأرجى منها قوله تعالى : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ . « 7 » . وقيل : أعظم من الذنب اليأس من الرحمة وأشد منه المماطلة بالتوبة . وقال أعرابي لابن عباس من يحاسب الخلق يوم القيامة ؟ قال : يحاسبهم اللّه تعالى قال : نحونا ورب الكعبة فقال : كيف ؟ قال إن الكريم إذا قدر غفر . ورؤي الشبلي

--> ( 1 ) القرآن الكريم : طه / 115 . ( 2 ) القرآن الكريم : الأنبياء / 87 . ( 3 ) القرآن الكريم : الأنفال / 68 . ( 4 ) القرآن الكريم : النحل / 106 . ( 5 ) القرآن الكريم : الزمر / 53 . ( 6 ) القرآن الكريم : النساء / 48 . ( 7 ) القرآن الكريم : الرعد / 6 .