الراغب الأصفهاني

409

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

فأنالني ما أرتجي * وأجار ممّا أتّقي فلأغفرنّ له الكبير * من الذّنوب السّبق حتّى جنايته بما * فعل المشيب بمفرقي وقال آخر : ربّما أحسن الزما * ن وإن كان قد أسا وقال وهو الصدق : وآخر إحسان الليالي إساءة * على أنّها قد تتبع العسر باليسر أصحاب الرّجاء والخوف قال شاعر : في كلّ شيء أرتجي مخافة * في كلّ شيء أشتهيه آفة فضل العافية وسلامة الدين قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا . وقيل : أراني غنيّا ما كنت سويّا . وقيل : من أوتي العافية فظنّ أن أحدا أوتي أكثر منه فقد قلّل كثيرا وكثّر قليلا . وقيل : صلاح الآخرة بخلّة واحدة وهي التقوى وصلاح الدنيا بثلاث : العافية والغنى والعمر . وقيل : العافية الملك الخفيّ الهنيء . وقيل : الدنيا بحذافيرها الأمن والعافية . لا تأس من دنيا على فائت * وعندك الإسلام والعافية إن فات شيء كنت تسعى له * ففيهما من خلف كافيه معرفة فضل السلامة عند فوتها قيل : لا يعرف طعم النعمة إلا من نالته يد العلّة والبلاء : فبضدها تتميّز الأشياء وقيل : شيئان لا يعرف فضلهما إلا من فقدهما الغنى والعافية . وقال أبو تمّام : وليس يعرف طيب الوصل صاحبه * حتى يصاب بنأي أو بهجران وقلب المتنبّي هذا المعنى فقال : ولولا أيادي الوصل في الجمع بيننا * غفلنا فلم نشعر له بذنوب « 1 » وقال حكيم : كم من نعمة عرفت ببليّة نزلت ونعمة جهلت بسلامة لبثت .

--> ( 1 ) الأيادي : النعم ، أي لولا إحسان الوصل لم تعرف إساءته في التفريق .