الراغب الأصفهاني
362
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
( 8 ) المعمّرون عاش نوح ألف سنة وأربعمائة وخمسين سنة ، بعث بعد مائتي سنة ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ، بقي بعد الطوفان مائتي سنة وخمسين سنة فلما أتى ملك الموت قال له كيف رأيت الدنيا ؟ قال : كدار لها بابان دخلت من هذا وخرجت من هذا . وعاش لقمان خمسمائة وستين سنة عمر سبعة أنسر كل نسر ثمانون سنة ومنه قيل طال الأمد على لبد . وعاش المستوغر بن زبيد ثلاثمائة وثلاثين سنة ولما بلغ ثلاثمائة قال : ولقد سئمت من الحياة وطولها * وعمرت من بعد السنين مئينا مائة جزتها بعدها مائتان لي * ازددت من عدد الشهور سنينا « 1 » هل ما بقي إلا كما قد فاتنا * يوم يمرّ وليلة تحدونا وعاش معدي كرب الحميري مائتين وخمسين سنة . وعاش عامر بن الظرب ثلاثمائة سنة وكذلك أكثم بن صيفي ، وكانا من حكماء العرب . وأدرك أكثم الإسلام واختلف في إسلامه . وعاش قسّ بن ساعدة الأيادي ستمائة سنة ، وكان من عقلاء العرب وحكمائهم ، وهو أول من أقرّ منهم بالبعث وأول من قال في الخطبة : أما بعد . وعاش دريد بن الصمة دهرا طويلا حتى سقط حاجباه على عينيه ولم يسلم وشهد حنينا . وعاش عبيد الجرهمي مائة سنة وعشرين سنة وكان معاوية رضي اللّه عنه حجّ من الشام فقال هل تعرفون أحدا بقي له علم بأيام العرب فنسأله ، فقالوا : عبيد وهو على طريقك فدعاه فقال : ممن أنت ؟ فانتسب إلى قبيلة ، فقال : وهل بقي منهم أحد ؟ قال : نعم أنا قال وكم لك من السنين ؟ فقال مائتان وعشرون سنة . فقال : من أين تعلم ؟ فقال : أما قال اللّه تعالى وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصّلناه تفصيلا . فقال : أخبرني عمّا رأيت فقال تمت عليّ سنيهات بلاء وسنيهات رخاء ويوم في أثر يوم وليلة . في أثر ليلة . ومنهم لبيد بن ربيعة وخبره مشهور ومعاذ بن مسلم عاش مائة وخمسين سنة . صحب بني مروان وفيه يقول الشاعر : قل لمعاذ إذا مررت به * قد ضجّ من طول عمرك الأبد
--> ( 1 ) جزتها : اجتزتها وتجاوزتها .