الراغب الأصفهاني
205
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
المتبجّح بإثارة الحرب والانهزام قال شاعر : وكتيبة لبستها بكتيبة * حتّى إذا التبست نفضت لها يدي فتركتهم نفض الرماح ظهورهم * من بين منجدل وآخر مسند فقال أبو القاسم الدميري : هذا كقول اللّه سبحانه وتعالى : كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ « 1 » الآية المتبجّح بأنه عدا لما رأى العدى قال تميم بن أسد الخزاعي : لما رأيت بني نفاسة أقبلوا * يغشون كلّ ووتيرة وحجاب ونشيت ريح الموت من تلقائهم * وخشيت وقع مهنّد قرضاب « 2 » رفعت رجلا لا أخاف عثارها * ونبذت بالمتن العراء ثيابي تسلية المنهزم لما انهزم أمية بن عبد اللّه لم يدر الناس كيف يهنئونه أو يعزّونه فدخل عبد اللّه بن الأهتم فقال : الحمد للّه الذي نظر لنا عليك ، ولم ينظر لك علينا فقد تقدمت للشهادة بجهدك ولكن علم اللّه حاجة الإسلام إليك فأبقاك له . قال المتنبّي يعتذر عن سيف الدولة في هزيمة وقعت له : قل للدمستق إنّ المسلمين لكم * خافوا الأمير فجازاهم بما صنعوا لا تحسبوا من أسرتم كان ذا رمق * فليس تأكل إلا الميت الضبع وإنّما عرض اللّه الجنود لكم * لكي يكونوا بلا فشل إذا رجعوا فكلّ غزو إليك بعد ذا فله * وكلّ غاز لسيف الدولة التبع المظهر الشجاعة خارج الحرب والجبن فيها قيل : فلان يتثعلب في الهيجاء ويتنمّر في الرخاء . قال شاعر : يفرّ بحيث تختلف العوالي * وإن يأمن فذو كبر وتيه وقال دعبل : أسود إذا ما كان يوم كريهة * ولكنّهم يوم اللقاء ثعالب
--> ( 1 ) القرآن الكريم : الحشر / 16 . ( 2 ) المهند القرضاب : السيف القطّاع ، والقرضاب : اللّص .