الراغب الأصفهاني

15

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

* متآخيان اختلف مذهباهما قال الجاحظ « 1 » : لم ير أعجب حالا من الكميت والطرمّاح ، فإن الكميت كان عدنانيا شيعيا يتعصب لأهل الكوفة ، والطرماح كان قحطانيا خارجيا يتعصب لأهل الشام ، وكان بينهما من المخالطة ما لم يكن بين اثنين قط ولم تجر بينهما جفوة ولا قطيعة ولا اعتراض . وقيل لهما : كيف اتفقتما مع الخلاف بينكما ؟ فقالا : اتفقنا على بغض العامة . ووصفهما جعفر المصري فقال : فنحن من ودّ وحبّ كما * كان كميت والطّرمّاح وكان عبد اللّه الأباضي وهشام بن الحكم شريكين في البزّ وبينهما من الخلاف ما لم يكن بين اثنين ، كان الأباضي يزعم أن عليا لم يزل مستسرّا بالكفر حتى أظهره يوم التحكيم وهشام يثبت الإمامة لعلي رضي اللّه عنه . قال هشام : ما خالفني إلا مرة : اشترينا جارية فقلت : أجعلها لي ، فقال : أنت عندي كافر وهذا فرج ، ولا أحبّ أن أبيحه لك . قال العباس بن الأحنف وهو مما يتمثّل به هاهنا : زاوج حيتانها الضّباب بها * فهذه كنّة وذا ختن « 2 » * اصطحاب نذلين في المثل : وافق شنّ طبقة . وافقه فاعتنقه . قال شاعر : كأنس الخنافيس بالعقرب ولأبي الحسن : كلاكما بالمجد مستهتر * وبابتناء المجد مفتون وفرّق ما بينكما واحد * أنت رقيع وهو مأفون « 3 » وأنت لوطيّ على ظنّه * وذاك بالإجماع مأبون « 4 » * استبقاء الإخوان بالإفضاء « 5 » عليهم قيل : إذا سرّك أن يثبت لك الصديق ، فليكن لك عليه الفضل . قال شاعر : إذا أنت لم تفضل على ذي مودّة * وكنت وإيّاه بمنزلة سوا

--> ( 1 ) الجاحظ : أبو عثمان ( 775 - 868 ) من أئمة الأدب العبّاسي ولد في البصرة . نسبت إليه الجاحظيّة من فرق المعتزلة . صوّر أحوال عصره وحياة أهل زمانه تصويرا يمتزج فيه الجدّ بالدعابة من مؤلفاته : « الحيوان » و « البيان والتبيين » و « البخلاء » . ( 2 ) الختن : الزوج . ( 3 ) الرقيع : الأحمق الذي أخلق عقله - المأفون : ناقص العقل . ( 4 ) المأبون : المعاب . ( 5 ) الإقضاء : مصدر أفضى عليه أي أعطاه وغمره بنواله .