الراغب الأصفهاني

98

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

المستكثر بمناظرته الفائدة قال رجل لآخر : مناظرة مثلك في الدّين فرض ، والاستماع منك أدب ، ومذاكرتك تلقيح للعقل . وقال عمر بن عبد العزيز : ما كلّمني أسديّ إلا تمنيت أن يمدّ في حجته لتكثر منه فائدتي . الممدوح بإجادة المناظرة مدح أعرابي رجلا فقال : يفتح ببيانه منغلق الحجّة ، ويسدّ على خصمه واضح المحجّة . وقيل : أورد فلان ما لا ينكره الخصم ، ولا يدفعه الوهم ، وما رأيت أسكن نورا وأبعد غورا وآخذ بأذن حجة منه . قال الشاعر : إذا قال بذّ القائلين مقاله * ويأخذ من أكفائه بالمخنق « 1 » قال العجير : من النّفر المدلين في كلّ حجّة * بمستحصد من حوله الرأي محكم « 2 » وقال آخر : يتقارضون إذا التقوا في مجلس * نظرا يزلّ مواقع الأقدام كان ذلك من قول اللّه تعالى : وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ « 3 » . وقال البحتري : أحضرته حججا لو اجتلبت بها * عصم الجبال لأقبلت تتنزّل وقال أبو مسلم : يجوب ضباب معاني الكلام * بحذف الصّواب لدى المجمع وقال بشر بن المعتمر « 4 » لأبي الهذيل عند المأمون بعد مناظرة كانت بينهما : كيف رأيت وقع سهمي ؟ فقال : حلوة كالشهد ولينة كالزبد فكيف ترى سهامنا ؟ فقال : ما أحسنت بها قال : لأنها لاقت جمادا . صعوبة الجدال قال ابن الراوندي : ما التّصدي للحراب والقضاب ومبارزة الأبطال بأصعب من

--> ( 1 ) بذّ القائلين : سابقهم وفاخرهم - الأكفاء : جمع الكفء وهو المثيل . ( 2 ) الحجّة : البيّنة - المستحصد : العقل الناضج - الرأي المحكم : الرأي السديد والصائب . ( 3 ) القرآن الكريم : القلم / 51 . ( 4 ) بشر بن المعتمر : أحد شيوخ المعتزلة ، سبقت الإشارة إليه .