الراغب الأصفهاني
99
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
التصدّي للجواب لمن أمّك بالسؤال ، وقال : تحت كلّ « لم » « 1 » أسد ملم . نظر يزل مواقع الأقدام وسئل الشعبي عن مسألة فقال : زيادات وبر لا تنساب ، ولا تنقاد لو نزلت بأصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم لأعضلت . الدافع باطل خصمه بحقّه قيل : لا تدفع الباطل بالغلبة إذا أمكنك أن تدفعه بالحجّة . وقال ابن عباس عجبا لمن يطلب أمرا بالغلبة ، وهو يقدر عليه بالحجّة ، فالحجّة دين يعقد به الطاعة ، وسلطان الغلبة يزول بزوال القدرة . وقال ثعلبة : ولربّ خصم جاحدين ذوي شذا * تقذى صدورهم بهتر هاتر « 2 » لقد ظأرتهم على ما ساءهم * وخسأت باطلهم بحقّ ظاهر « 3 » وقال آخر : ألا ربّ خصم ذي فنون علوته * وإن كان ألوى يشبه الحقّ باطله وهذا معنى قول العتابي « 4 » : البلاغة تصوير الباطل في صورة الحقّ . المشاغب من يشاغبه قال أبو الأسود : فشاغبته حتّى ارعوى وهو كاره * وقد يرعوي ذو الشغب بعد التّحامل « 5 » فإنّك لم تعطف إلى الحقّ جائرا * بمثل خصيم عاقل متجاهل وقال آخر : وما خصم الأقوام من ذي خصومة * كمثل بصير عالم متجاهل القائم في المناظرة مقام الغيب وقال شاعر : ومشهد قد كفيت الغائبين به * في مجمع من نواصي النّاس مشهود « 6 »
--> ( 1 ) لم ( هنا ) : كناية عن السؤال . ( 2 ) خصم : قد يجيء هكذا للاثنين والجمع والمؤنث - الهتر : الكذب والهتر ( بالضم ) : ذهاب العقل والهاتر اسم فاعل من هتر ( عرضه ) : مزّقه . ( 3 ) ظأره ( على الأمر ) : أكرهه عليه - خسأ الباطل : مرده وزجره . ( 4 ) العتّابي : هو كلثوم بن عمرو من شعراء بغداد ، وأصوله شاميّة من حلب . كان يجيد الفارسية ويذهب مذهب المعتزلة . مات سنة 208 ه ( 823 م ) . ( 5 ) ارعوى : ارتدع وعاد إلى الصواب . ( 6 ) نواصي الناس : كناية عن صفوتهم والنخبة منهم .