الراغب الأصفهاني
67
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
اختيار التلامذة وحثّ كلّ إلى تعلّم ما يليق به سأل أفلاطون بعض تلامذته عن مسألة لم تكن تليق بحاله ، فقال : لست من أهلها فلكل تربة غرس ولكل بناء أس . وقيل : تصفح طلاب علمك كما تتصفح خطاب حرمك . وكان يونس يختلف إلى الخليل يتعلم منه العروض فصعب عليه تعلّمه ، فقال له الخليل يوما : من أي بحر قول الشاعر : إذا لم تستطع شيئا فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيع ففطن يونس لما عناه الخليل فترك العروض . وقيل اختر كل إنسان للفنّ الذي يستطيبه ، فبقدر شهوته يكون نفاذه فيه . منع العلم عن غير أهله قال المسيح عليه السلام : لا تضعوا الحكمة في غير أهلها فتظلموها ، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم . وكن كالطبيب الحاذق يضع دواءه حيث يعلم أنه ينتفع به . وفي بعض الكتب يا بني إسرائيل لا تطرحوا الدرّ بين أيدي الخنازير فتطؤه وهي لا تعرفه . وقال الإمام الشافعي ( رضي اللّه عنه ) : ومن منح الجهّال علما أضاعه * ومن منع المستوجبين فقد ظلم وقيل : ما كلّ تريبة تحتمل القلائد ، ولا كلّ ضريبة تستحقّ الفوائد . النّهي عن تعليم الأوغاد ، وذمّهم إذا تعلّموا قالت الحكماء : لا تعلمنّ الدنيء علما فيستفيده منك ، ويصير به عدوا لك . فلأن يتضع ألف من عليّين أولى من أن يرتفع دنيء واحد . وقيل لبعضهم : أي علم أضر ؟ فقال : ما يفاد الأوغاد . وقيل لأبي سنان : تموت وتدخل علمك معك القبر ، فقال : ذاك أحبّ إليّ من أن اجعله في إناء سوء . ورأى حكيم رجلا يعلم دنيئا علما فقال له : أتسقي سهما ترمى به يوما . وقال دعبل في أبي تمّام : إن عابني لم يعب إلا مؤدّبه * فنفسه عاب لمّا عاب آدابه وكان كالكلب أضراه مكلبه * كيما يصيد له فاصطاد كلابه « 1 » وقال آخر : أعلّمه الرماية كلّ يوم * فلمّا اشتدّ ساعده رماني
--> ( 1 ) أضراه : من الضراوة وهي العادة والدربة .