الراغب الأصفهاني
68
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
وكم علّمته نظم القوافي * فلمّا قال قافية هجاني دنيء استفاد علما فازداد به شرا قال البديهي ، وقد أجاد : إذا ما اقتنى العلم ذو شرة * تضاعف ما ذمّ من مخبره « 1 » وصادف من علمه قوّة * يصول بها الشرّ في جوهره وصار عدوّا لإخوانه * وسيفا حساما على معشره « 2 » فضل تعليم الأولاد يروى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : ما منح والد والدا أفضل من أدب حسن . وكانت اليونانية تورث الأبناء الأدب والبنات النسب . وقيل من أدب ولده صغيرا قرّت به عينه كبيرا . وقيل : من أدب ولده أرغم حاسده . حكى أن المنصور بعث إلى من في الحبس من بني أمية يقول لهم : ما أشدّ ما مر بكم في هذا الحبس ؟ فقالوا ما فقدنا من تأديب أولادنا . وقيل : لا يحبّ الأب ابنه حتى ينغضه على ترك الأدب . فضل التعلّم في الصّغر قيل : بادروا بتأديب الأطفال قبل تراكم الأشغال . وسمع الحسن رجلا يقول : التعلم في الصغر كالنقش في الحجر فقال الكبير أوفر عقلا منه لكنه أشغل قلبا . وقيل : من لم يتعلّم في الصّغر هان في حال الكبر . وقال الشاعر : هل الحفظ إلا للصبيّ فذو النّهى * يمارس أشغالا تشرد بالذّكر فضل التعلّم في الكبر قيل لأنوشروان : أيحسن بالشيخ أن يتعلّم ؟ قال : إن كانت الجهالة تقبح منه فالتعلم يحسن به ، فقيل : وإلى متى يحسن منه ؟ فقال : ما حسنت به الحياة . وقيل : لحكيم ما حدّ التعلم فقال حدّ الحياة ، أي يجب له أن يتعلم ما دام حيا . وقال شيخ للمأمون : أقبيح بي أن أستفهم ؟ فقال : بل قبيح بك أن تستبهم . الأحوال التي تحصل بها العلوم قيل : لا يصير الإنسان عالما إلا بخمس غريزة محتملة للعلم ، وعناية تامّة وكفاية قائمة ، واستنباط « 3 » لطيف ، ومعلم فصيح .
--> ( 1 ) ذو شرة : الشرة : الغضب والحدّة . ( 2 ) السيف الحسام : السيف القاطع . ( 3 ) الاستنباط : الاختراع والإبداع .