الراغب الأصفهاني

57

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

مدح الكلام قيل : المتكلمون « 1 » دعائم الدين ولولا هم لأضلّت الملحدة « 2 » كثيرا من الناس . وروي أن ملك الصفد كتب إلى الرشيد يسأله أن يبعث إليه من يعلّمه الدين ، فدعا يحيى بن خالد فعرض عليه الكتاب ، فقال يحيى : لا يقوم لذاك إلا رجلان ببابك هشام بن الحكم وضرار فقال : كلا إنهما مبتدعان « 3 » فيلقنان القوم ما يفسدهم ويغويهم بالمسلمين ، ليس لذلك إلا أصحاب الحديث ، فقال يحيى : أصحاب الحديث لا يحسنون وأهل الصفد قد غلب عليهم الثنوية « 4 » فأتى أبو يوسف ووجه بعض أصحاب الحديث فلما ورد أكله أهل الصفد بالحجج . فقال ملك الصفد : ما أضعف دينكم وحججكم ، فضحك صاحب الحديث . فقال الملك : وما هذا الضحك ؟ فقال إنا لسنا أصحاب الحجج فإننا مقلّدة وعندنا من له الجدل وعنده الحجج ولا يقوى لهم أحد ، وقد أشار بعض المحصلين على صاحبنا أن لا يبعثنا فوقع الغلط عليه . ذمّه قال أبو يوسف : من طلب الدين بالكلام تزندق « 5 » . وقيل ما تعلم أحد الكلام إلا ساء ظنه بالنّاس . وقيل : من جعل غرضا للجدال أكثر التنقل من رأى إلى رأي . وحكى بعض الصوفية قال : استشرت أبا عبد اللّه بن حنيف في تعلم الكلام فقال : لا تفعل ، فأقلّ ما فيه أنك تسيء عشرة الربّ . فقلت كيف ذلك ؟ فقال : لأنك أبدا تقول لو فعل اللّه كذا لكان جاهلا ولو كان كذا لكان عاجزا ، ونحو ذلك مما يجري في كلامهم . مدح الفقه قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : إذا أراد اللّه بعبد خيرا فقّهه في الدّين ، وعرّفه عيوب نفسه . وقال صلى اللّه عليه وسلم : لكل شيء عماد ، وعماد هذا الدين الفقه . وقال صلى اللّه عليه وسلم الأنبياء سادة والفقهاء قادة ، ومجالستهم زيادة . وقال صلى اللّه عليه وسلم : فقيه واحد أشدّ على إبليس من ألف عابد .

--> ( 1 ) المتكلّمون : علماء الكلام وهو العلم الذي يدافع به عن العقيدة بالأدلة العقليّة . ( 2 ) الملحدة أو الملاحدة هم الدهريّون الذين لا يؤمنون بالحساب والثواب والعقاب ، وهم كفرة . ( 3 ) المبتدع : صاحب البدع وواحدة البدع البدعة وهي ما أحدث على غير مثال سابق ، والبدع تخالف الإيمان الصحيح . ( 4 ) الثّنوية : من عبادات الفرس وأصحابها يقولون بوجود إلهين : إله النور وإله الظلمة والأول هو أهورامازدا مازدا والثاني أهرمن . ( 5 ) التزندق : هو الاعتقاد بما هو مخالف للإيمان ، والزنادقة هم أصحاب البدع ، والزندقة أنواع وقد تقتصر الزندقة على المجون وارتكاب المعاصي واستباحة المحرّمات ، وربّما تجاوزت إلى عبادة النّار والقول بالهين مما هو معروف في المجوسية .