الراغب الأصفهاني

58

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

مدح الحساب قال اللّه تعالى : فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ « 1 » ، وقال اللّه تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ « 2 » وقيل الحساب ديباج « 3 » العلم ، وقال علي بن زين : لو رفع الحساب لبطلت العلوم ولو رفعت العلوم لم يبطل الحساب . مدح استخراج المعمّى « 4 » وذمّه والحاذق فيه قيل : استخراج المعمّى يدقق النظر ويصقل الذهن ويفطن القلب . وقيل : إن بعض اليونانيين كتب بلغتهم كتابا إلى الخليل فخلا به شهرا حتى فهمه فقيل له في ذلك ، فقال : علمت أنه لا بدّ من أن يفتتح الكتاب باسم اللّه فبنيت على ذلك فقست عليه وجعلت ذلك أصلا ففتحت ثم وضع كتاب المعمى على ذلك . وقال أبو حاتم : سألت الأصمعي عن المعمّى فقال هو عمى القلب . وقال الجاحظ : ليس المعمّى بشيء قد كان كيسان مستملي أبي عبيدة يسمع خلاف ما يقال ، ويكتب خلاف ما يسمع ، ويقرأ خلاف ما يكتب ، يتعسر « 5 » عليه استخراج أخف نكتة « 6 » من المعمّى . معرفة النسب سئل بعضهم عن علم النسب ، فقال : هو علم لا تنفع معرفته ولا يضرّ جهله . وقال رجل لأبي عبيدة : علّمني شيئا من النسب ، فقال : ما تستفيد بذلك إلا معرفة المعايب . وقيل : فلان أنسب من دغفل « 7 » ومن ابن لسان الحمرة . وقال المتنبّي في نبطي « 8 » عارف بالنسب : وما ذا بمصر من المضحكات * ولكنّه ضحك كالبكاء بها نبطيّ من أهل السّواد * يدرس أنساب أهل العلا

--> ( 1 ) القرآن الكريم : الأنعام / 96 . ( 2 ) القرآن الكريم : يونس / 5 . ( 3 ) الديباج : الحرير ، وديباج العلم كناية عن منزلة الحساب الرفيعة . ( 4 ) المعمّى من الكلام : ما كان خفيّ المعنى . ( 5 ) يتعسّر عليه : أي يعسر ويصعب عليه . ( 6 ) النكتة : الأثر الحاصل من نكت الأرض ، والنكتة ( هنا ) ، المسألة الدقيقة . ( 7 ) دغفل : هو رجل من بني شيبان عاش في القرن السابع الميلادي وأدرك الإسلام ، وكان أعلم زمانه في الأنساب . ( 8 ) النبطيّ : المنسوب إلى النبط وهم قوم كان يقطنون القسم الجنوبي من فلسطين . وكانت لهم فيه حصون وقلاع ومنها بصرى وصلخد وصلع . وكانت للنبط أو الأنباط رحلات تجارية إلى ما بين النهرين ومصر والشام .