الراغب الأصفهاني

116

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

تسهيل قول الشّعر على ذي آلته عمل سقراط بيتين ، فقيل له : ما أحسن ما قلت . فقال : إن حفر بئر بقرب قناة يجري منها الماء ، سهل . قال البديهي : وأرى القوافي لا تصير مطيعة * إلا إلى المثرين من أدواتها والطبع ليس بمقنع إلا إذا * حصلت إضافته إلى آلاتها وقال آخر : وما الطبع مغن وحده في نظامه * ولا العلم من حدّ الطّباع بنائب إذا لم تكن مجموعة أدواته * فأيسر مبناه كنسج العناكب وقيل : أصح الشعر وأسهله ما يقوله من بعثه أنف « 1 » أو دخله كلف « 2 » . من تداخله لسماعه الأنفة والحميّة كان بالمدينة فتى يتعشق امرأة ، فوعدته يوما ، فلمّا اجتمعا غنّت مغنية بهذا الصوت : من الخفرات لم تفضح أخاها * ولم ترفع لوالدها شنارا « 3 » فأبت إلا الخروج فرجعت إلى منزلها ، وبعثت إلى الرجل ألف دينار ، وقالت : إن رغبت في فاجعل هذا مهري واخطبني من أبي . ودخل رجل على أبي دلف فاستماحه فقال له : أتسأل وجدّك يقول : ومن يفتقر منّا يعش بحسامه * ومن يفتقر من سائر النّاس يسأل فقال : نعم ، وتضجّر . فلقي وكيلا لأبي دلف يأتي بمال فسلبه . واتصل الخبر بأبي دلف « 4 » فقال : أنا الذي علمته هذا فدعوه . وهذا الباب من جنس منفعة الشعر . شعر سائر قال أبو العتاهية : في كلّ أرض قرى من منطقي مثلا * بين المشاهد أو يبكي به وتر وقال الطرمي : لقد سار لي شرقا وغربا قصائد * تغبّر حسنا في وجوه القصائد

--> ( 1 ) الأنف : مصدر أنف ( من العار ) : ترفّع وتنزّه عنه . ( 2 ) الكلف : الولوع بالشيء مع انشغال القلب والمشقّة . ( 3 ) الخفرات : الحييات جمع خفرة - الشنار : العار وأقبح العيب . ( 4 ) أبو دلف : هو القاسم بن عيسى أحد قوّاد الخليفة المأمون ثم المعتصم . مات سنة 228 ه ( 842 م ) ومن آثاره كتاب « البزاة والصيد » ، و « سياسة الملوك » .