الراغب الأصفهاني
117
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
وقال المتنبّي : أبقى على كنف الأيام من كنفي * رضوى وأسير في الآفاق من مثل وقال الكندي : يقصر عن مداها الريح جريا * وتعجز عن مواقعها السّهام تناهب حسنها حاد وشاد * فحثّ بها المطايا والمدام « 1 » وقال المسيّب « 2 » : ترد المياه فلا تزال غريبة * في القوم بين تمثّل وسماع وقال النّابغة : أوابد كالسّلام إذا استمرّت * فليس يردّ فدفدها التمنّي « 3 » شعر أثّر في المقول فيه فرفعه أو وضعه كان بنو قريع متى قيل لهم أنف الناقة استحيوا ، حتى قال فيهم الحطيئة : قوم هم الأنف والأذناب غيرهم * ومن يسوّي بأنف النّاقة الذنبا فصاروا بعد ذلك يتبجّحون « 4 » به ويقولون نحن من أنف الناقة . ونمير « 5 » كانوا يتبجّحون باسمهم حتى قال فيهم الشاعر : فغضّ الطرف إنّك من نمير * فلا كعبا بلغت ولا كلابا فكانوا بعد إذا سئلوا قالوا : من بني عامر . وقال جرير : والتغلبيّ إذا تنحنح للقرى * حكّ استه وتمثّل الأمثالا فقالوا لو طعنوا بعد هذا في أستاههم ما حكّوها . مفاضلة قصار الشعر وطواله قيل لعقيل : لم لا تطيل الشعر ؟ فقال : يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق . وقيل لآخر ذلك ، فقال : يكون أحوك ، وعلى أفواه الرواة أعلق .
--> ( 1 ) الحادي : سائق الإبل - المدام : الخمر . ( 2 ) المسيّب : هو المسيّب بن علس واسمه زهير من شعراء بكر بن وائل ، وهو خال الشاعر الأعشى . وكان الأعشى روايته . لقّب بالمسيّب لبيت قاله . والمسيّب جاهلي لم يدرك الإسلام . ( النظر الشعر والشعراء منشورات دار الأرقم ص 106 وما بعدها ) . ( 3 ) الفدفد : المكان الغليظ المرتفع ، والفدفد الفلاة ، وفي رواية : قوافي كالسلام . . ، أيضا : مذهبها التّظنّي . ( 4 ) يتبجّحون : التبجّح هو الافتخار والتعاظم والمباهاة . ( 5 ) نمير : أي بنو نمير .