محمد بن محمد بن هبة الله الحسيني الأفطسي

89

المجموع اللفيف

استمدت منك الزيادة فوعدت [ 27 ظ ] جاريا طلق الجموح [ 1 ] ، أضرم السوط ناره ، وأجدّ الخوف إحضاره [ 2 ] ، لا يرى ما قطع ، ولا يعلم فيم وقع . فعد على خاطر خانتك نصرته ، وقعرت بك لمّا لزّك القرن [ 3 ] ، على أن ذاك ممّا قد حيل فيه بين الخاطر والجولان ، كما ( حيل بين العنز والنزوان ) [ 4 ] ، بما اختص اللّه تعالى ذلك السيد به من مواهبه التي تقود كلّ راكب في محاورته مركب التغرير [ 5 ] ، إلى أن يكونوا محجوجين بصنوف التقصير ، فما يلقاه أحد منهم إلا معترفا بفضله ، حامدا لإحسانه وتطوّله ، مضطرا إلى حال تكون القدرة له فيها عليه ، والخيار في الصفح والموافقة إليه ، فأما أنا فخجلة وإن لم أهجن حصره ، وإن لم أوبخ ، أجول في خناق ضيّق ، وإن أطيل لي ريش المسامحة ، وأعثر في دهش دحض [ 6 ] ، وإن أوسع ميدان الإحسان ، فانظر لحاضر ما قد لزمك ، واله عن غائب ما فاتك ، والتمس للخلاص من عدّتك وجها بوفاء صريح ، أو عذر فصيح ، فارتكاب الإخلاف يجمع والعذر دليلا على ذليل القصور ، فدعتني بوضوح الحجة إلى ركوب المحجّة ، وتخفيف زلّة الاقتراف بذلة الاعتراف ، وأيقظتني لأمر قد كانت سكرة الوهلة [ 7 ] أذهلتني عن مراعاته ، وشغلتني عن أخذ الأهبة له ، فلما جذب تنبيهها بضبعي [ 8 ] من

--> [ 1 ] جاريا طلق الجموح : شبه الرأي بفرس مسرع شديد العدو جامحا ، راكبا هواه لا يمكن رده . [ 2 ] الإحضار : شدة العدو ، وعدو ذو وثب . [ 3 ] لزك القرن : شده وألصقه ، ولزك بالرمح طعنك ، والقرن ( بالكسر ) الكفء ، والنظير في الشجاعة . [ 4 ] قوله : حيل بين العنز والنزوان ، هذا مثل ، يضرب في منع الرجل مراده ، والمثل في : ( المستقصى في الأمثال 2 / 70 جمهرة الأمثال 1 / 371 ، تمثال الأمثال ص 430 ) . [ 5 ] التغرير : الكلمة في الأصل غير معجمة تحتمل ( التغرير ) بمعنى التحريض ، أو ( التعزير ) بمعنى المكافأة أو العقوبة . [ 6 ] دهش دحض : ذو زلق ، أدحضه : دفعه وزحزحه وأزلقه . [ 7 ] الوهلة : أول شيء ، وأول ما تراه ، ووهل : سها ، ووهل إلى الشيء : ذهب وهمه إليه وهو يريد غيره ، والوهل : لغلط والنسيان . ( اللسان : وهل ) . [ 8 ] الضّبع : ما بين الإبط إلى نصف العضد من أعلاها ، وهما ضبعان .