محمد بن محمد بن هبة الله الحسيني الأفطسي
485
المجموع اللفيف
أحدهم ، فيا للّه وللشورى ، متى اختلج الشك فيّ مع الأول منهم ، ومتى كانت هذه النظائر تقرن بي ، فأسففت إذا أسفّوا [ 1 ] ، وطرت إذا طاروا ، صبرا على طول المدة ، وانقضاء المحنة ، فمال رجل لضغنه [ 2 ] ، وأصغى آخر لصهره [ 3 ] ، من هن وهن ، ثم قام ثالث القوم نافجا حضنيه [ 4 ] بين نثيلته [ 5 ] ومعتلفه ، وأسرع معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع ، إلى أن انتهت به بطنته [ 6 ] وأجهز عليه عمله ، فما راعني من الناس إلا وهم رسل إليّ كعرف الضّبع [ 7 ] يسألونني أن أبايعهم ، وانثالوا عليّ [ 8 ] ، حتى لقد وطي الحسنان ، وشقّ عطفاي ، فلما نهضت بالأمر ، نكثت فرقة ، ومرقت فرقة ، وفسق آخرون ، كأن لم يسمعوا الله جلّ ثناؤه يقول في كتابه العزيز : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [ 9 ] ، بلى والله ، لقد سمعوها ، ولكن غرّتهم دنياهم ، وراقهم زبرجها [ 10 ] ، والذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة [ 11 ] ، لولا حضور النّصرة ، ولزوم الحجّة ، وما أخذ الله على أولياء الأمر من أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم [ 12 ] ،
--> [ 1 ] أسفّ الطائر : دنا من الأرض ، يريد أنه لم يخالفهم في شيء . [ 2 ] يريد سعد بن أبي وقاص . [ 3 ] أصغى : مال ، يشير إلى عبد الرحمن بن عوف ، وكان صهرا لعثمان بن عفان ، لأن زوجته أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، كانت أختا لعثمان من أمه . [ 4 ] نافجا : رافعا ، حضنيه : الحضن ما بين الإبط والكشح ، يقال للمتكبر : جاءنا نافجا حضنيه ، ويقال مثله لمن امتلأ بطنه طعاما . [ 5 ] في الأصل : ( نثيكته ) تحريفا . النثيل : الروث ، أي لا همّ له إلا الأكل . [ 6 ] البطنة : التخمة والإسراف في الشبع . [ 7 ] عرف الضبع : ما كثر على عنقها من الشعر ، وهو ثخين ، يضرب به المثل في الكثرة والازدحام . [ 8 ] انثالوا عليّ : تتابعوا مزدحمين . [ 9 ] القصص 83 . [ 10 ] الزبرج : الزينة من وشي وجوهر . [ 11 ] برأ النسمة : خلق الروح . [ 12 ] كظة ظالم وسغب مظلوم : تخمة الظالم ، وجوع المظلوم ، أراد استئثار الظالم بالحقوق وهضم حق المظلوم .