محمد بن محمد بن هبة الله الحسيني الأفطسي
275
المجموع اللفيف
أعجب من الفلك وظلمه ، والقدر وحكمه ، إذ صارت أيامها تنتقل إلى شرار أكفائها ، ويستذري أسوأ أفيائها ، فكذلك على رغمها انتقلت من هاشم في محارب ، وقد لعمري إنّ هذه عادتها ، كشفت بها عن عوارها ، بسوء الاختيار ، ولؤم النّجار ، ولكن الناقص وإن علا مناكب الجوزاء ، وامتطى كواهل العلياء ، يضؤل إذا التقت عليه المحافل ، ويتطامن إذا انبرى له الأفاضل ، ويتخاضع إذا جمعته حلبة الرهان ، ويتخاشع إذا لزّته [ 1 ] حقيقة الامتحان ، وذلك أيّدك الله ، قالب جهل غطّت عليه نعمة غارت عن ذويها ، وحلّيت عن مستحقيها ، وثوت عبدة بخد ترب ، ودمع منسكب ، إذ انتقلت عن مآلفها الكريمة ، ومغارسها القديمة ، فان تغش قوما غيرهم أو تزورهم ، فكالوحش يدنيها من الإنس المحلّ ، ومثله لا يعبأ به ، ولا يعتب على الدهر فيه ، وشاء صدقك أحسن اللّه توفيقك . الناس اثنان ؛ عالم منصف ، وجاهل معاند ، فأما الأول : فهو الحجة وعليه العمدة ، فقد عرف بروز شأوك في كل علم [ 99 ظ ] ووفور حظّك من كل فضل ، فانّ أذربيجان كانت آهلة بشيوخ الوزارة والرئاسة من ذوينا ، ومأنوسة برجال ناهيك بهم رجالا ، وأعلام أكرم بهم أعلاما ، فكلّ خلّى لك عن طريق السداد ، وسلّم إليك قصب الرشاد ، ووفّر عليك حقّ التفضيل ، ولم يدفع في صدرك عن منازل التبجيل . فأما الرأي الجزل ، والقول الفصل ، والحقّ الصّرف ، والحكم العدل ، فما يدفعك عنه دافع إلا قلّ ، ولا ينازعك فيه منازع إلا ضلّ ، وأما عفاف الطعمة ، وطيب الحجزة [ 2 ] ، وظلف النفس [ 3 ] ، وعلوّ الهمّة ، والترفع عمّا تسفّ إليه دنيات المطامع ، والتغمّض عمّا يحتقب المرء منه مخزيات الملاوم ، والاحتقار لزبرج الدنيا [ 4 ] التي تستخفّ كلّ حليم ، وزخرفها الذي يستفزّ كلّ
--> [ 1 ] لزته : شدته وألصقته وضيقت عليه . [ 2 ] طيب الحجزة : كناية عن العفاف ، والحجزة : موضع شد الإزار من الوسط . [ 3 ] ظلف النفس : منعها وترفعها عن الدنايا . [ 4 ] الزبرج : الحلية والزينة من وشي أو جوهر أو نحو ذلك ، وزبرج الشيء : حسّنه وزيّنه .