محمد بن محمد بن هبة الله الحسيني الأفطسي

276

المجموع اللفيف

حكيم ، فحظّه مسلّم إليك ، وحماله موقر عليك ، وهذه واحدة لا ينوء بحملها العابد الزاهد ، ولا ينهض بعبئها إلا الفارد الشارد . وقديما قالت الحكماء : الزاهد في الذهب الأحمر أعزّ من الذهب الأحمر ، وحدثنا محمد بن علي البصري قال : حدثنا أبو روق عن الرياشي عن الأصمعي ، عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال : إنّ الصفاة الزلاء التي لا تثبت عليها أقدام العلماء ، هي المطامع . وأما الثاني وهو من لا يعبأ به ، ولا يعرّج عليه ، ولا يشال إليه طرف ، ولا يسمع منه حرف ، وإنّما يعيب بالصحة على الثقة ، ويشكو مرارة الحق ، وينكر المقام على ووتيرة النصح ، وأكبر ما يقال في [ 100 و ] هذه الطائفة قول الشاعر : [ 1 ] [ الطويل ] إذا رضيت عني كرام قبيلتي * فلا زال غضبانا عليّ لئامها وقد سئل الأحنف [ 2 ] : من سيد القوم ؟ فقال : من إذا أقبل هابوه ، وإن أدبر اغتابوه ، فليهنك أبا الحسن أن يكون الحقّ المرّ غاية ما يعيبك به العائب ، والصحة المحضة أقصى ما ينسبه إليك الناسب ، فأنت في أعلى رتبة مما نسبك إليه الصديق الناصح ، وفي أوسع عذر مما رماك به العدوّ الكاشح ، ولقد أحسن حسان في قوله لرجل - أظنه كان يشغب في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - في كلمة له : [ 3 ] [ الوافر ] أتهجوه ولست له بكفء * فشركما لخيركما الفداء أدركني ذهني في هذا الموضع ، فقلت : لعل بعض من يحضر مجلسك

--> [ 1 ] البيت دون نسبة في الدر الفريد 1 / 323 . [ 2 ] الأحنف : هو الأحنف بن قيس سيد تميم ، وقد سبقت ترجمته . [ 3 ] البيت لحسان بن ثابت في ديوانه 1 / 18 ، ط - وليد عرفات ، من قصيدة في فتح مكة ، والمخاطب في البيت هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم ، قبل أن يسلم ، وكان يهاجي المسلمين قبل فتح مكة ، وقد وهم بعض ناشري الديوان في بيروت أن المقصود هو أبو سفيان صخر بن حرب ، والد معاوية ، ولم يكن هذا شاعرا ، بل كان قائد المشركين في حروبه على المسلمين .