محمد بن محمد بن هبة الله الحسيني الأفطسي
259
المجموع اللفيف
طائفا به للتوديع حين خفّ أهله عند [ 94 و ] الهاجرة ، وقد انتعل كلّ شيء ظلّه ، حتى رأى غزالا هبط من أعلى أبي قبيس [ 1 ] ، ودخل من باب إبراهيم عليه السلام ، وطاف بالبيت سبعا ، ثم سما إلى الحجر الأسود يرومه بأظلافه ، وهو لا يكاد يبلغه ، فاشتمله ثم رجع على أدراجه ، صاعدا إلى أبي قبيس ، فقال لي : يا أبا القاسم ، يستجير به الوحش ، وأرحل أنا عنه ! ! كلا ، والذي عظّمه وكرّمه ، فأقام مجاورا إلى أن قضى نحبه . ولو لم يكن لهذا البيت إلا أنه بلد لقاح لم يملكه أحد على وجه الأرض ، ولم تطل عليه يد ، ولم يزل مضافا إلى اللّه تعالى ، فيقال : بيت الله ، وحرم الله ، وكعبة الله ، ويدعى سكانه جيرة الله ، وأهله أهل الله ، لكان ناهيك به فضلا ، وحسبك به فخرا ونبلا ، ثم إن العرب كانت تنتمي إليه ، وتسمي أولادها به ، تنويها بهم ، وتفخيما لهم ، وكان عثمان بن عامر أبو قحافة [ 2 ] ، سمّى ولده في الجاهلية عبد الكعبة ، حتى أتى الله تبارك وتعالى بالإسلام ، فسمّاه النبي صلى اللّه عليه عبد الله ، وكانت لعبد المطلب عدّة كنى ، وكان أشرفها عندهم ( أبو البطحاء ) ، يرون الانتماء له إلى ملك الأباطح منقبة لا توازيها المناقب ، ونسبا لا تدانيه المناسب ، وكم من مولدي الإسلام يسمّى بالمكّي والمدني والحجاج والحاجي . حدثنا المروزي ، من حاج خراسان ، عن فقيه ذكره ، قال : رأيت في المرجع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، مقبلا [ 94 ظ ] في أصحابه ، فقلت : يا رسول اللّه ، هل يقبل منّا حجّنا ؟ فقال : كيف لا يقبل وأنا معكم ، أو فيكم الشكّ مني ؟
--> [ 1 ] أبو قبيس : جبل مشرف على مسجد مكة ، وجهه إلى قعيقعان ، ومكة بينهما ، أبو قبيس من شرقيها ، وقعيقعان من غربيها . ( ياقوت : أبو قبيس ) [ 2 ] أبو قحافة : عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب التيمي القرشي والد أبي بكر الصديق ، كان من سادات قريش في الجاهلية أسلم يوم فتح مكة ، وتوفي ولده أبو بكر قبله ، كانت وفاة أبي قحافة سنة 14 ه ( الإصابة ت 5444 ، نكت الهميان 199 ) .